أفادت شهادات العائدين إلى قطاع غزة، وعددهم نحو 12 شخصًا، عن تعرّضهم لتحقيقات وقيود إسرائيلية مشددة وعمليات تنكيل وإذلال، خلال رحلة طويلة عبر معبر رفح البري، في ثاني أيام تشغيله، ضمن المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة.
وأكدت شهادة لـ"الترا فلسطين"، أن عناصر ميليشيا أبو شباب، المُتعاونة مع الاحتلال، مسؤولة عن مهمة اقتياد الفلسطينيين الداخلين من معبر رفح حتى نقطة التفتيش الإسرائيلية، وتمارس عمليات تنكيل بحق المواطنين.
وفي شهادة خاصة لـ"الترا فلسطين"، أفادت هدى أبو عابد (57 عامًا) التي كانت تتلقى علاجًا لأمراض القلب في مصر برفقة ابنتها، بتعرضها لمعاملة قاسية وممارسات قسرية خلال عبورها معبر رفح الحدودي عند العودة إلى قطاع غزة.
وقالت هدى إن جميع مقتنياتهم، بما في ذلك الهواتف والعطور والألعاب والأدوية، صودرت عند وصولهم إلى بعثة الاتحاد الأوروبي بحجة أنها ممنوعة من قبل الاحتلال، ولم يُسمح لهم إلا بحمل هاتف واحد فقط.
وأضافت، لـ"الترا فلسطين"، أن المعاملة استمرت بعد مغادرتهم المعبر، حيث طلب منهم السير في ممر طويل محاط بأسلاك شائكة دون أي مرافقة لمدة ربع ساعة تقريبًا، وسط شعور بالضياع وعدم معرفة ما ينتظرهم.
وقالت أبو عابد إنهم صادفوا جنود الاحتلال الذين طلبوا منهم الصعود إلى حافلة، وعند اكتمال العدد تحركت الحافلة بمرافقة جيب عسكري أمامها وآخر خلفها، حتى وصلوا إلى حاجز يتبع لعناصر ميليشيا أبو شباب، التي يتزعمها الآن غسان الدهيني، قرب منطقة كف موراج.
هناك، قام العناصر بتفتيشهم بدقة، بما في ذلك المحافظ الشخصية، وطرحوا عليهم أسئلة شخصية عن ابنها الشهيد، وظروف استشهاده، وعن أقارب وأفراد من حركة حماس.
كما صودرت هواتفهم قبل أن يُسلّموا مجددًا، هي وابنتها وسيدة ثالثة، إلى قوات الاحتلال التي قامت بتقييد أيديهن وتغطية أعينهن والتحقيق مع كل واحدة على حدة.
وقالت هدى إن ضابط التحقيق الإسرائيلي طرح عليها أسئلة حول ابنها الشهيد، ووجه لها اتهامًا قائلًا: "أنت أم إرهابية"، فيما تعرضت ابنتها روتانا للتهديد بعدم السماح لها برؤية أولادها الخمسة إذا لم تجب على أسئلة التحقيق، التي لم تكن تعرف عنها شيئًا، وتشمل أشخاصًا استشهدوا وأحداثًا مرتبطة بالسابع من أكتوبر. واستمر التحقيق تحت ضغط نفسي شديد لما بين 3 إلى 4 ساعات، مع تقييد الأيدي وتغطية العيون قبل الإفراج عنهم.
وأضافت هدى أن الحافلة نقلتهم بعد ذلك إلى مستشفى ناصر، الذي وصلوا إليه منتصف الليل، بعد رحلة شاقة استغرقت حوالي 22 ساعة منذ مغادرتهم من العريش. وأكدت أن السيطرة التامة على الجانب الفلسطيني للمعبر كانت بيد الاحتلال وعناصر الميلشيات، وأنهم لم يشعروا بأي أمان طوال الوقت، على الرغم من وجود بعثة الاتحاد الأوروبي في المكان.
وفي ذات السياق، أكدّت صحيفة "هآرتس" العبرية أن عناصر من ميليشيا أبو شباب "تتولى مهمة اقتياد الفلسطينيين الداخلين من معبر رفح حتى نقطة التفتيش الإسرائيلية قبل وصولهم لغزة".
وكان معبر رفح قد فُتح، أمس، لأول مرة منذ اجتياح رفح، وسط قيود مشددة، حيث تولت قوة تابعة للسلطة الفلسطينية إدارة الجانب الفلسطيني تحت إشراف بعثة الاتحاد الأوروبي (EUBAM)، بينما أقام الجيش الإسرائيلي نقطة تفتيش عسكرية بين المعبر و"الخط الأصفر".
بدوره، أدان مركز غزة لحقوق الإنسان القيود الإسرائيلية وممارسات الميليشيات، مؤكّدًا أن السفر عبر المعبر شمل فقط 5 مرضى من أصل 50، رغم الحالات الطبية الحرجة، ما يعكس انتهاكًا صارخًا لحق العلاج والرعاية الصحية.
كما أدان المركز إجبار المسافرين على المرور عبر ممر محاط بالأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة، في مشهد يعكس سياسة ترهيب ممنهجة، ويترك آثارًا نفسية قاسية على المسافرين، لا سيما النساء وكبار السن والمرضى، ويعيد إنتاج بيئة الإذلال والعقاب الجماعي التي دأبت "إسرائيل" على فرضها على سكان القطاع.
وأشار المركز إلى الانتهاكات الفجة التي تعرض لها العائدون إلى قطاع غزة، والذين اقتصر عددهم على 12 شخصا فقط، حيث وثق اعتقال 3 نساء وتقييد أيديهن لعدة ساعات، واحتجاز عدد من العائدين من مليشيا مسلحة شكلتها "إسرائيل"، قبل نقلهم إلى موقع يتواجد فيه الجيش الإسرائيلي، وإخضاعهم للتحقيق لمدة تقارب ثلاث ساعات.
من جهتها، أصدرت حركة حماس بيانًا أكدت فيه أن ما حدث يمثل "جريمة فاشية" تهدف إلى ثني الفلسطينيين عن العودة إلى قطاع غزة، مطالبةً المجتمع الدولي والوسطاء بوقف هذه الممارسات وضمان حرية وسلامة المسافرين وفق الاتفاقات الموقعة.

