2026-03-07 10:58 ص

انتخابات المجلس الوطني: استحقاق متأخر وتساؤلات حول الجديّة والسياق وآليات التنفيذ

2026-02-05

في خطوة أعادت ملف الشرعيات الفلسطينية إلى الواجهة، أصدر الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومًا رئاسيًا دعا فيه الفلسطينيين في الوطن والشتات إلى المشاركة في انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني، في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2026، في استحقاق يُعدّ الأول من نوعه منذ تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية. ويأتي هذا الإعلان في ظل حالة سياسية معقدة، وضغوط إقليمية ودولية متزايدة لإجراء "إصلاحات" في بنية النظام السياسي الفلسطيني.
ويختلف الموقف تجاه هذا المرسوم بين الفلسطينيين: فبينما يعتبره مؤيدوه فرصة تاريخية لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعيات منظمة التحرير عبر انتخابات شاملة، ينظر إليه بعض المعارضين بحذر، مشككين في جدية تنفيذه، ومستندين إلى تجارب سابقة لتأجيل الانتخابات، بينما أعربت حركة حماس عن قلقها من أن الرئيس الفلسطيني عباس ينوي إعادة تشكيل المجلس الوطني "بشكل منفرد".

كما يطرح خبراء قانونيون تساؤلات حول نصوص المرسوم وآليات تطبيقه، خاصة فيما يتعلق بالانتخابات في الشتات، والسجل الانتخابي للفلسطينيين خارج فلسطين، والفصل بين انتخابات المجلس الوطني والانتخابات التشريعية والرئاسية المؤجلة، مما يضيف أبعادًا قانونية وتنظيمية تحتاج إلى توضيح قبل الشروع بالاستحقاق.

ووفقًا لوكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية "وفا"، ينصّ المرسوم على إجراء الانتخابات وفق نظام التمثيل النسبي الكامل، داخل فلسطين وخارجها "حيثما أمكن"، بما يضمن، بحسب المرسوم، أوسع مشاركة ممكنة للفلسطينيين في أماكن وجودهم، وعدالة تمثيل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، بما في ذلك المرأة والشباب والتجمعات الفلسطينية في الخارج. كما أسند المرسوم الإشراف الكامل على العملية الانتخابية إلى لجنة الانتخابات المركزية.

ويُعدّ المجلس الوطني الفلسطيني، وفق النظام الأساسي لمنظمة التحرير الفلسطينية، السلطة العليا للشعب الفلسطيني، والمخوّل بوضع سياسات المنظمة وبرامجها، وانتخاب لجنتها التنفيذية، التي تختار بدورها رئيسًا لمنظمة التحرير. وهو ما يمنح هذا الاستحقاق بعدًا سياسيًا يتجاوز كونه إجراءً انتخابيًا، ليشكّل محطة مفصلية لإعادة ترتيب النظام السياسي الفلسطيني.

اللجنة التحضيرية: انتخابات شاملة ورسالة سياسية

عضو المجلس المركزي الفلسطيني وعضو اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني، وليد العوض، أكد في تعقيب خاص لـ"الترا فلسطين" أن المرسوم جاء بعد عمل تحضيري استمر نحو 7 أشهر، عقدت خلاله اللجنة 13 جلسة، أُنجز خلالها قانون انتخابات المجلس الوطني وجرى رفعه إلى الرئيس، وبموجبه تم تحديد موعد الانتخابات.

وأوضح العوض أن القانون يشكّل دعوة واضحة لإجراء انتخابات شاملة للمجلس الوطني الفلسطيني، داخل دولة فلسطين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، باعتبارها دائرة انتخابية واحدة، إضافة إلى اللاجئين الفلسطينيين في مختلف تجمعات الشتات.

وأشار إلى أن تحديد سنّ الترشح بـ23 عامًا يُعدّ خطوة لتعزيز مشاركة الشباب في الهيئات التشريعية والقيادية، فيما حُددت نسبة الحسم بـ1%، بما يشجع على تشكيل القوائم الحزبية والمستقلة، ويعزز المشاركة السياسية.

ويرى العوض أن توقيت المرسوم يحمل "رسالة سياسية مهمة" إلى العالم، مفادها أن الشعب الفلسطيني، رغم الاحتلال والانقسام والتحديات، "لا يزال قادرًا على إعادة إنتاج نظامه السياسي عبر صناديق الاقتراع، بعيدًا عن أي محاولات خارجية لهندسة النظام السياسي الفلسطيني وفق رؤى أميركية أو غيرها".

ترحيب مشوب بالحذر

من جانبه، اعتبر النائب السابق لرئيس المجلس التشريعي الفلسطيني، حسن خريشة، أن الدعوة لإجراء انتخابات المجلس الوطني مطلب تاريخي لطالما نادى به الشعب الفلسطيني، مشيرًا إلى أن منظمة التحرير تشكّلت طوال عقود عبر التوافقات والتعيينات، دون اللجوء إلى انتخابات مباشرة.

وقال خريشة، في تعقيب لموقع "الترا فلسطين"، إن انتخاب مجلس وطني يضم الفلسطينيين في الداخل المحتل والقدس وأراضي عام 1967 والشتات، يمثّل الصيغة المثالية لإعادة بناء النظام السياسي، لكون المجلس الوطني ينتخب اللجنة التنفيذية، التي تختار بدورها رئيس منظمة التحرير، ما يجعله رئيسًا فعليًا للشعب الفلسطيني.

إلا أن خريشة عبّر عن شكوكه إزاء جدية تنفيذ هذا الاستحقاق، مستندًا إلى تجربة تعطيل الانتخابات العامة عام 2021، محذرًا من أن تتحول الدعوة الحالية إلى استجابة شكلية لضغوط خارجية، قد تُلغى في اللحظة الأخيرة.

وأكد خريشة أن غياب الوضوح بشأن القانون وآليات التنفيذ يُضعف الثقة بالمسار الانتخابي، مطالبًا بإطلاع الشعب الفلسطيني على تفاصيل ما جرى داخل اللجنة التحضيرية قبل الشروع في الانتخابات.

أسئلة قانونية واتهامات بالضبابية

وفي مقالة تحليلية، طرح المحامي عصام عابدين، المستشار القانوني السابق لرئاسة المجلس التشريعي، سلسلة من التساؤلات القانونية حول المرسوم، معتبرًا أن الإعلان يفيض بالأسئلة أكثر مما يقدّم إجابات.

وتساءل عابدين، في منشور عبر صفحته على "فيسبوك"، عن غياب المادة رقم (6) من نص المرسوم، وعدم نشر النظام الانتخابي "النافذ والجديد" المشار إليه، فضلًا عن الغموض المتعلق بآليات إجراء الانتخابات في الشتات، والسجل الانتخابي للفلسطينيين خارج فلسطين، والجهة القضائية المختصة بالنظر في الطعون الانتخابية.

كما تساءل عن الفصل بين انتخابات المجلس الوطني والانتخابات التشريعية والرئاسية المؤجلة منذ عام 2021، وعن هوية لجنة الانتخابات المشرفة على العملية، في ظل غياب المجلس التشريعي، معتبرًا أن إطلاق عملية بهذا الحجم يتطلب حوارًا وطنيًا شفافًا يسبق الإعلان، لا أن يأتي لاحقًا له.

رد اللجنة التحضيرية

وبالعودة إلى عضو اللجنة التحضيرية لانتخابات المجلس الوطني، وليد العوض، للرد على ما ورد في مداخلات عابدين وخريشة، قال إن اتصالات تُجرى بأشكال متعددة مع بقية الفصائل الفلسطينية، مشيرًا إلى أن جميع مسودات عمل اللجنة التحضيرية كانت تُعرض، بصيغ مختلفة، على مختلف الفصائل.

وأوضح العوض، لـ"الترا فلسطين"، أن قانون انتخابات المجلس الوطني سيكون متاحًا للجميع، وأن الانتخابات ستكون مفتوحة أمام جميع القوى دون أي اشتراطات سياسية، باستثناء الالتزام والاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ووثيقة الوفاق الوطني، معتبرًا أن ذلك من شأنه إسقاط أي ذرائع تُستخدم لرفض الانضمام إلى منظمة التحرير والمجلس الوطني.

وأضاف أن جميع الأطراف طالبت تاريخيًا بإجراء انتخابات، ومع صدور هذا المرسوم جرى تحديد موعدها رسميًا، داعيًا الجميع إلى المشاركة فيها، ومؤكدًا أن الانتخابات ستكون "سيدة نفسها"، على قاعدة ضمان مشاركة واسعة وشاملة، وبما يكفل حضورًا فاعلًا للشباب والمرأة، حيث يضمن القانون نسبة لا تقل عن 30% للمرأة من بين الفائزين.

وشدد العوض على أن هذه الانتخابات لا يحق لأحد الاعتراض عليها، داعيًا في الوقت ذاته إلى العمل المشترك لتذليل العقبات المتوقعة التي قد تضعها دولة الاحتلال أمام إجرائها.

وأشار إلى أن نص القانون واضح بشأن إجراء الانتخابات داخل دولة فلسطين في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، باعتبارها دائرة انتخابية واحدة، إضافة إلى إجرائها في الخارج حيثما أمكن، على أن تتولى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الاتصالات اللازمة بهذا الشأن.

ورداً على احتمالية رفض الاحتلال إجراء الانتخابات في القدس، كما جرى عام 2021، لفت العوض إلى أنه من السابق لأوانه الحديث عن شكل الانتخابات في أي منطقة بعينها، إلا أن الهدف الأساسي، وفق القانون، هو إجراء انتخابات شاملة يشارك فيها الجميع.

وحول ما إذا كان المجلس الوطني سيشكّل بديلًا عن المجلس التشريعي، أوضح العوض أنه وفقًا للقانون المعتمد، فإن النظام السياسي الفلسطيني سيكون نظامًا مركبًا، بحيث يصبح المجلس الوطني الهيئة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني. 

وبيّن أن المجلس سيتكوّن من 200 عضو من داخل فلسطين، و150 عضوًا من خارجها، على أن يشكّل الأعضاء الـ200 من الداخل البرلمان الفلسطيني الذي كان يُعرف سابقًا بالمجلس التشريعي، وسيُنظّم عملهم بموجب نظام داخلي ولائحة خاصة، تُمكّنهم من ممارسة دور المجلس التشريعي في دولة فلسطين.

ردود فصائلية وسياق إقليمي ضاغط

في السياق ذاته، كانت حركة حماس قد أعربت، في بيان سابق، عن قلقها من إعلان الرئيس عباس نيته إعادة تشكيل المجلس الوطني بشكل منفرد، واعتبرته مخالفًا للتوافقات الوطنية والاتفاقيات الموقعة بين الفصائل الفلسطينية.

وتأتي هذه التطورات في ظل مطالبات عربية وإقليمية ودولية بإجراء إصلاحات سياسية في السلطة الوطنية ومنظمة التحرير، ما يضيف بعدًا خارجيًا للنقاش الدائر حول الانتخابات وجدواها وتوقيتها.

وبينما يرى مؤيدو المرسوم أنه فرصة تاريخية لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعياته على أسس ديمقراطية، يرى المشككون أن نجاح هذه الخطوة مرهون بتحويلها من إعلان سياسي إلى مسار عملي واضح وشفاف، يجيب عن الأسئلة القانونية والتنظيمية، ويضمن مشاركة حقيقية للفلسطينيين في الداخل والشتات دون استثناء.

ويبقى الاستحقاق الانتخابي المقبل اختبارًا جديًا: إما أن يشكّل مدخلًا لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، أو أن يُضاف إلى سجل طويل من الوعود المؤجّلة.

الترا فلسطين | محمد غفري