2026-03-06 10:13 م

قصة إبستين.. أمين أسرار النخبة

جزيرة ابستين | REUTERS‏

2026-02-02

أتخمنا الإعلام ورواد السوشيال ميديا بقصة جيفري إبستين، وتركز معظم المعالجات على التهتك الأخلاقي، أو دوره في الجوسسة مع إسرائيل. ولكن هل هي هذه الصورة فقط فيما يجب أن نراه من جبل الجليد؟

قراءتي أن الرجل كان يمثل وجها عميقا للرأسمالية الغربية، إنه عقدة نفوذ يتجمع فيها كل النافذين في هذا العالم، ولعل ذلك جوهر القضية التي تجعل من ملف إبستين لغزا عصيا على النسيان. فبينما ينشغل الإعلام بالإثارة أو نظريات التجسس، فإن الصورة الأعمق أنه يمثل رأسمالية العلاقات في أقبح صورها.

في عالم الثراء الفاحش، لا يقتصر رأس المال على المال السائل فحسب، بل يمتد ليشمل رأس المال الاجتماعي، وإبستين لم يكن مجرد غني، بل كان يعمل "كمحول" (Transformer) للطاقة بين دوائر مختلفة، السياسة والعلم والمال.

وهو يتحرك في هذه المستويات كوسيط للسلطة، فنجده يظهر مع رؤساء دول ووزراء، وحائزي جوائز نوبل وعباقرة تقنيين، ومديري صناديق استثمارية وعمالقة بنوك.

هذه العقدة سمحت له بامتلاك خريطة طريق للقرارات العالمية قبل صدورها، مما يجعله المحرك الخفي في التروس الرأسمالية.

وهذا يقودنا إلى النظر في مفهوم "نادي النخبة" كأداة سيطرة، فالرأسمالية في مستوياتها العليا لا تعمل دائما من خلال المنافسة الشريفة، بل من خلال التكتلات غير الرسمية، وقد وفر إبستين المساحة الآمنة (أو غير الآمنة في الواقع)، حيث تسقط الحواجز الرسمية بين هؤلاء النافذين، وذلك من خلال تبادل المصالح، حيث تعقد في تلك اللقاءات صفقات لا تُسجل في دفاتر الشركات.

كما تضمن هذه الآلية ما يمكن تسميته التورط المتبادل، وهنا تحديدا تظهر نقطة "التهتك الأخلاقي" ليس بوصفها مجرد انحراف، بل كأداة لضمان الولاء والصمت، فعندما يتورط الجميع، يصبح الحفاظ على النظام مصلحة مشتركة للكل.

نحن إزاء الوجه المظلم للعولمة، ويمثل إبستين النسخة المتطرفة من "النخبة العابرة للحدود". هؤلاء لا يدينون بالولاء لدولة أو قانون، بل لشبكة المصالح التي تربطهم، وفكرتهم عن "عقدة النفوذ"، هي تجسيد لمرحلة من الرأسمالية، حيث تصبح المعلومة الخاصة والقدرة على الوصول للأشخاص هي السلعة الأغلى، أغلى حتى من النفط أو الذهب.

إبستين لم يكن خطأ في النظام، بل كان "ميزة إضافية" (Feature) صممها النظام لنفسه ليسهل تلاقي المصالح بعيدا عن أعين الرقابة والقانون. إنه يمثل الرابط الذي يجعل الطبقة الحاكمة عالميا تتصرف ككتلة واحدة رغم اختلاف جنسياتها.

ولكن هل تعتقدون أن إبستين مجرد تفاحة خامجة تم دفنها وانتهى الأمر. لا.. فكرة "التفاحة الفاسدة" هي الرواية التي تفضلها الأنظمة لتهدئة الرأي العام، لأنها تعفي الشجرة (أو النظام نفسه) من المسؤولية.

لكن الواقع يشير إلى أن إبستين لم يكن مجرد فرد منحرف، بل كان بنية تحتية كاملة، فهو فعليا لم يخترع وسيلة السيطرة عبر "شبكات النفوذ المشبوهة"، بل قام بـ"مأسستها".

حتى لو اختفى الشخص، فإن الحاجة الوظيفية لوجود وسيط يربط بين المال والسياسة والجنس لا تزال قائمة في عالم الرأسمالية المتوحشة. هناك دائما من يسعى لملء هذا الفراغ لأنه يمنحه سلطة مطلقة.

كما أن موت إبستين لم يمحُ الأشرطة والملفات أو البيانات التي جمعها. هذه المعلومات هي "عملة" لا تفقد قيمتها بمرور الزمن. السؤال الحقيقي "في يد من وقعت هذه السجلات الآن؟".

إذا كانت في يد أجهزة استخبارات، فهي تُستخدم الآن لـ "توجيه" سياسات دول عبر ابتزاز مسؤوليها، وإذا كانت في يد أفراد نافذين، فهي تضمن لهم حصانة أبدية.

القضية أثبتت أن هناك طبقة من البشر تعيش فوق القانون، فبقاء شركاء وزبائن إبستين أحرارا رغم وجود أسماء صريحة في "الكتاب الأسود" وقوائم الرحلات، يرسل رسالة واضحة، وهي أن النظام يحمي نفسه قبل كل شيء.

في علم السياسة، يُنظر إلى ظواهر مثل إبستين كنوع من "التكنولوجيا" لربط النخب. في السابق كانت المصاهرة أو الانتماء لنوادٍ سرية (مثل البنائين الأحرار) هي الرابط، أما في العصر الحديث، فقد أصبح التورط المشترك في الجريمة هو الرابط الأقوى؛ لأنه يخلق التزاما بالصمت المتبادل.

ما نراه الآن هو محاولة احتواء الضرر، لكن القلق الحقيقي هو أن "الآلية" التي صنعها إبستين لا تزال تعمل، ربما بأسماء جديدة وطرق أكثر حذرا وتقنية.

إبستين لم يكن لاعبا منفردا، بل كان وظيفة في نظام معقد. وفي الأنظمة المعقدة، تحتاج النخب إلى "غراء" يضمن الولاء المطلق.

القوانين والعهود السياسية متغيرة، لكن الابتزاز هو الضمانة الوحيدة التي لا تخون. إبستين كان أمين صندوق الأسرار؛ وبموته، لم يمت النظام، بل انتقلت "الأمانة" إلى يد مشغل جديد أو جُمدت لاستخدامها في الوقت المناسب.

في لعبة الشطرنج السياسية، عندما يصبح "البيدق" عبئا على "الملك" (الذي يمثل هنا استقرار النظام العالمي أو هيبة المؤسسات)، يتم التضحية به فورا. موت إبستين كان عملية جراحية لاستئصال العضو الذي بدأ يسرب العدوى إلى الجسد كله. الغرض لم يكن العدالة، بل إغلاق الملف تقنيا وقانونيا.

أعتقد أن إبستين كظاهرة لا يزال حيا. الفرق الوحيد هو أن "النادي" أصبح أكثر حذرا، والوسائط أصبحت أكثر رقمية وتشفيرا. ما نراه من تسريبات بين الحين والآخر ليس سعيا للعدالة، بل هو رسائل تهديد متبادلة بين أجنحة النفوذ داخل ذلك النادي المغلق.

حسين جلعاد/ الجزيرة