2026-03-07 04:26 م

الخليج أمام أخطر اختبار اقتصادي منذ عقود

2026-01-29

مع توالي المؤشرات على اقتراب ضربة عسكرية أميركية لإيران في ظل تصاعد تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، يواجه الاقتصاد الخليجي تحديات متزايدة، بخاصة في ظل تهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز، ما يمثل الخطر الأكبر على الاستقرار الاقتصادي للمنطقة والاقتصاد العالمي، إذ يعبر منه ما يقارب 20% من الإمدادات البترولية البحرية العالمية، الأمر الذي يجعل أمنه العسكري والاقتصادي مسألة حتمية لدول الخليج وشركائها التجاريين، بخاصة الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.

وتصب تقديرات محللين اقتصاديين في أوروبا والولايات المتحدة بترجيح تسبب إغلاق مضيق هرمز في رفع أسعار النفط إلى مستويات قد تتجاوز 120 دولاراً للبرميل، ما يعادل صدمة اقتصادية حادة مشابهة للأزمة النفطية في السبعينيات.
وفي المدى القصير، ترتفع أسعار التأمين على الشحن للعبور عبر المضيق بشكل حاد؛ فقد تضاعفت أقساط تأمين مخاطر الحرب (War Risk Insurance) من 0.2% إلى 0.3% إلى 0.5% للشحنات إلى الخليج، ما يضيف عشرات الآلاف من الدولارات يومياً على تكاليف الرحلة البحرية الواحدة، حسب ما أورد تقرير نشره معهد واشنطن.

يأتي ذلك مؤكداً معاناة دول الخليج من هشاشة اقتصادية تتفاقم مع أي تصعيد عسكري، فالسعودية والإمارات والكويت وقطر تعتمد بنسبة كبيرة على صادرات النفط والغاز للحصول على العملات الأجنبية، بيد أن قدرتها على تحويل صادراتها تبقى محدودة جداً؛ إذ تملك السعودية خط أنابيب شرق-غرب بطاقة 5 ملايين برميل يومياً، والإمارات خط حبشان-الفجيرة بطاقة 1.5 مليون برميل يومياً فقط، بينما يمر من مضيق هرمز ما بين 15 مليون برميل إلى 21 مليوناً يومياً.
ويعني ذلك أن أغلب الصادرات ستبقى محاصرة في حالة إغلاق المضيق، ما قد يفاقم عجز الموازنات الحكومية وخاصة في السعودية التي يتوقع البنك الدولي توسع عجزها المالي إلى 5.6% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، بحسب تقارير نشرتها منظمة التحكم بالمخاطر المتخصصة في أسواق الطاقة والنقل البحري.

ويترتب عن هذه المخاطر أثر مباشر على الاستثمار الأجنبي المباشر الذي يشكل عمود التنويع الاقتصادي للمنطقة، وفي هذا السياق، أشارت دراسة نشرتها شركة EY المتخصصة في البحوث الاقتصادية والاستثمار إلى أن 39% من المستثمرين الدوليين حددوا التوترات الجيوسياسية ضمن أفضل 3 مخاطر تهدد استثمارات المنطقة في السنوات الثلاث القادمة، بزيادة من 31% في السنة السابقة.
ومن المتوقع أن ينخفض الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات الطاقة واللوجستيات بشكل خاص إذا تفاقمت الأزمة الجيوسياسية، الأمر الذي يعطل خطط التنويع الاقتصادي طويلة الأمد ضمن رؤية 2030 السعودية.
غير أن التوجه الإيراني قد يبقى محصوراً في التهديد من دون التنفيذ الفعلي، حسب ما يشير محللو شركة "كبلر" المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة، لافتين إلى أن إيران نفسها ستعاني خسائر اقتصادية فادحة من إغلاق المضيق؛ حيث إن 40% من صادرات النفط الصيني تمر عبر مضيق هرمز، وطهران تعتمد بشكل كبير على بكين شريكاً سياسياً واقتصادياً أساسياً.
فضلاً عن ذلك، فإن إيران نفسها تصدر حوالي 3.4 ملايين برميل يومياً تقريباً.

مفصل استراتيجي
في هذا الإطار، يرى الخبير في الاقتصاد السياسي رائد المصري أن التطورات الجيوسياسية الراهنة تشكل مفصلاً استراتيجياً حاسماً في مسار سياسات دول الخليج الاقتصادية، خاصة في ظل الاتفاقيات المبرمة مع الولايات المتحدة خلال عهد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، حسب إفادته لـ"العربي الجديد".
ويوضح المصري أن السياسات الأميركية الحالية، التي تدفع المنطقة نحو شفا مواجهة كبرى، تهدد أمن الممرات البحرية الحيوية مثل مضيق هرمز وباب المندب، وتزيد من احتمالات اندلاع حرب مفتوحة مع إيران، ما ينذر بعواقب وخيمة على الاستقرار الإقليمي والدولي، معتبراً أن حشد الأساطيل وتصعيد الخطاب العسكري لا يبشران بأي خير، إذ يلحقان ضرراً مباشراً بأمن الطاقة وسلاسل التوريد العالمية، ويؤديان إلى ارتفاع تكاليف الطاقة على مستويات متعددة.

ويشير المصري إلى أن دول الخليج، التي تعتمد ميزانياتها السنوية على سعر مرجعي ثابت لبرميل النفط وإنتاج الغاز، تجد نفسها اليوم أمام تهديد وجودي لاستقرارها المالي من جراء سياسات ترامب التي تُفكك الاتفاقيات الاستراتيجية التي أبرمتها مع السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، وتعمل على تقويض الأمن البحري الذي يشكل شريان الحياة لاقتصاداتها.

ويؤكد المصري أنّ لإيران حضوراً جيوسياسياً فاعلاً في المنطقة، بغض النظر عن طبيعة العلاقات السياسية معها، وهذا الواقع يعد عاملاً محورياً في حسابات القوى الكبرى، بخاصة الولايات المتحدة، التي تسعى، وفق تقديره، إلى زعزعة الاستقرار في إيران ليس فقط لدوافع أيديولوجية، بل وقطع الطرق التجارية أمام منافسين استراتيجيين مثل الصين وروسيا.

وينعكس هذا الصراع بالضرورة على دول الخليج، بحسب المصري، الذي يرى أنها ستصبح ساحةً غير مباشرة لهذا التنافس رغم محاولاتها الحثيثة لاحتواء التصعيد، مشدداً على أن الجهود الدبلوماسية العربية والإسلامية لإحباط الضربة الأميركية المحتملة على إيران أو تأجيلها تكتسب أهمية قصوى.
كما يدعو المصري دول الخليج إلى توسيع نطاق علاقاتها الاقتصادية والسياسية عالمياً، لتقليل الاعتماد على القطب الواحد، وتجنب إعطاء انطباع بـ"فائض قوة" قد يغري الإدارة الأميركية بممارسة سياسات أكثر عدوانية تجاه الدول التي لا تتماشى مع أجندتها.
ويخلص المصري إلى التأكيد أن هذه الوقائع الحالية تمثل تحدياً خطيراً يطاول الاقتصاد الخليجي، وأمن الممرات البحرية، واستقرار أسعار النفط، وفعالية الاتفاقيات الاستراتيجية، بخاصة في ظل التزامات مالية تجاه الولايات المتحدة تقدر بمئات مليارات الدولارات.

تآكل متزايد
في السياق، يشير الخبير في الاقتصاد السياسي مصطفى يوسف، لـ "العربي الجديد"، إلى أن "حافة الحرب"، التي تعبر عنها تصريحات مسؤولي الإدارة الأميركية بشأن إيران، ظهرت انعكاساتها فوراً في سوق الذهب التي شهدت ارتفاعاً حاداً تجاوز 5300 دولار للأونصة، مدفوعاً بتصاعد حالة عدم اليقين والخوف في الأسواق العالمية.

ويعزو يوسف هذه الحالة إلى تآكل الثقة المتزايد في الدولار من جراء سياسات الرئيس دونالد ترامب المثيرة للتوتر، ومنها الضغط على رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم بأول بشأن سعر الفائدة، والتهديد بشن هجوم عسكري على إيران، فضلاً عن التصعيد مع الحلفاء التاريخيين مثل بريطانيا وألمانيا وفرنسا وهولندا، بل حتى كندا.
ويلفت يوسف إلى أن هذه السياسات دفعت العديد من الدول الغربية إلى إعادة ترتيب تحالفاتها الاقتصادية، خاصة عبر تعزيز علاقاتها مع الصين، ما يعمق حالة التفكك في النظام المالي الغربي، ونتيجة لذلك، يتجه المستثمرون بشكل متزايد نحو الأصول الآمنة مثل الذهب، أو أي استثمارات بعيدة عن التأثير المباشر للسياسات الأميركية.
ويؤكد يوسف أن دول الخليج ليست بمنأى عن هذه التداعيات رغم ارتباط عملاتها بالدولار، فهذا الارتباط يجعلها عرضة لتقلبات الثقة بالاقتصاد الأميركي، كما أن صناديق الثروة السيادية الخليجية، المستثمرة بكثافة في الأصول المالية الأميركية، تتأثر مباشرة بأي تراجع محتمل في أسواق الأسهم نتيجة تصاعد التوترات.
وفي حال تطورت الأزمة مع إيران إلى أبعاد أوسع، فقد ينذر ذلك بخسائر كبيرة تهدد خطط التنويع الاقتصادي في دول الخليج التي تعتمد على الاستقرار المالي والاستثماري، حسب تقدير يوسف الذي يرى ضرورة أن تبدأ دول مجلس التعاون بتنفيذ نوع من "التخارج النسبي" من الأصول المرتبطة بالاقتصاد الأميركي، والمضي قدماً في تنويع شراكاتها الاستثمارية، سواء مع الصين أو مع دول أوروبية مستقلة، لتحقيق توازن استراتيجي في محافظها الاستثمارية. ويخلص يوسف إلى أنّ توجه كهذا لم يعد رفاهية، بل ضرورة لحماية المصالح الاقتصادية الخليجية طويلة الأمد في ظل نظام عالمي يتسم بتزايد التقلب وعدم اليقين.

العربي الجديد