2026-03-07 09:19 ص

السلطة الفلسطينية والانقلاب على الشرعية

2026-01-27

كتب عدنان الصباح
بين الحربين العالميتين، نجحت الثورات بأنواعها الشيوعية والفاشية والنازية والاشتراكية والبعثية في تولي الحكم في كثير من الدول ابتداءً من روسيا والصين مرورًا بمصر والجزائر حتّى فلسطين. في تلك البلدان كلّها قامت الثورات من قطاعات الشعب المحرومة، لإحقاق حقوقها المغتصبة من الاحتلال والطبقات الارستقراطية المتنفذة والحاكمة، التّي تغولت في استغلال الشعب واستأثرت بثروات البلاد وسخرتها لخدمة مصالحها الخاصّة، وتنمية ثرواتها. لكن؛ حصل عكس الهدف السامي المعلن لتلك الثورات، حيث احتكرت قياداتها الجديدة السلطة، وعملت على استعباد شعوبها، واستغلتها، ونكرت حقوقها، ومارس التمييز في الانتفاع، كلّ ما سبق مورس بدرجات أسوأ مما كان عليه الحال قبل تلك الثورات، سواء أكان المسيطر على السلطة قوة احتلال أجنبي، أو من المنتفعين المحليين.

صورت رواية جورج أورويل "مزرعة الحيوان"، وقبلها قصص "كَلِيلَة ودِمْنَة" لابن المقفع ذلك الذي مرت به شعوب تلك البلدان بأسلوب رمزي، إذ تنكرت تلك الثورات كلّها؛ من دون استثناء، للشعارات الثورية؛ مثل شعارات الحرية لشعوبها، وصادرت حقوقها، وجرّعتها الإهانة والفقر، وسخّرتها لخدمة مصالح طبقة متنفذة جديدة من الذين يفترض أنّهم قاموا لتحريرها وحماية حقوقها.

هنا نذكر الحديث النبوي الشريف القائل أنّ من علامات الساعة "أن تَلِدَ الأمَةُ رَبَّتَها"، الذي يفسره بعضهم لغويًا بدقة، في حين يذهب آخرون إلى اعتبار أن الحديث لم يقصد الولادة الطبيعية بين البشر، وإنما أحداث تلد أخرى، سواء في الشأن العام، أو الخاص، كما في علاقات البشر مع بعضهم بعضًا، ما يشير الى شيوع العقوق والجحود في علاقاتهم ومعاملاتهم.

إذا أسقطنا وصف "الأَمَة" الوارد في الحديث على الشعوب، "والسيد/الرَبّة" على تلك الثورات أو قياداتها يستقيم التفسير بمقصد العقوق والجحود. في حين نجد أنّ ما حدث بين السلطة الفلسطينية ومنظّمة التحرير ينطبق عليه التفسير اللغوي والمقصدي للحديث.  إنّ منظّمة التحرير الفلسطينية، بصفتها التّي يجمع عليها الشعب الفلسطيني ممثّلًا شرعيًا ووحيدًا له، هي الأم أو "الأمة"، فهي صاحبة السلطة العليا الحقيقية والأساسية، الكامنة في، والنابعة من المجلس الوطني الفلسطيني. وعليه؛ فهي بلا منازع صاحبة الأمر والصلاحية والشرعية والقيمة القانونية المعترف بها دوليًا.

نشوء السلطة
في 13 أكتوبر/تشرين الأول 1993؛ وقعت المنظّمة اتّفاق أوسلو مع إسرائيل، الذي أوصى بإنشاء سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني المؤقت في الضفّة الغربية وقطاع غزّة، وبالتالي يعتبر الاتّفاق مصدر شرعيتها. بناءً على الاتّفاق أصدر القائد العسكري الإسرائيلي لمنطقة يهودا والسامرة "الضفّة الغربية" المحتلة القرار العسكري رقم (7)، في 1995/11/23، الذي مثّل "شهادة ميلاد السلطة الفلسطينية"، كونه نص على نقل "صلاحيات" (بدون ال التعريف) من صلاحيات ومسؤوليات الحاكم العسكري إلى السلطة الفلسطينية، في المجالات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وبالتالي يبقى الحاكم العسكري، في الواقع (de facto)، صاحب السلطة الحقيقية في الضفّة الغربية وليست السلطة الفلسطينية.

التحييد قبل التصفية
منذ البداية لم يحصل فصل بين منظّمة التحرير الفلسطينية والسلطة، ولم تحدد آلية المحاسبة والمرجعية السياسية للسلطة على اعتبارها جهازًا إداريًا تابعًا للمنظّمة. مباشرةً بعد إنشاء السلطة، بدأت الأخيرة ممارسة ما يمكن وصفه بعملية تحييد وعزل ممنهجة لمنظّمة التحرير من العمل السياسي الفلسطيني، إلّا في ما يخدم مصالح السلطة في التعاملات الدولية الرسمية، مستخدمةً اسم المنظّمة وختمها. انتقل رئيس اللجنة التنفيذية للمنظّمة إلى رام الله، وتقلد رئاسة السلطة، وصار يمارس صلاحيات السلطة من هناك تحت الاحتلال. كما نقلت مكاتب المنظّمة إلى رام الله، باستثناء الصندوق القومي الفلسطيني وأمواله، والمجلس الوطني الفلسطيني، الذين بقيا في العاصمة الأردنية عمان بعيدًا عن السلطات الرقابية الرسمية، سواء للمنظّمة أو السلطة.

في 2010 نقلت صلاحيات الدائرة السياسية للمنظّمة، التّي أغلقت تمامًا، إلى وزارة الخارجية في رام الله، إلّا من مكاتب التمثّيل الرسمي للمنظّمة، التّي أصبحت تعرف نفسها بأنّها سفارات للسلطة أو دولة فلسطين في عواصم الدول التّي تعترف بدولة فلسطين.

بينما تمارس السلطة نظريًا صلاحياتها في أجزاء من الضفّة الغربية المحتلة عام 1967، وبالقدر الذي يسمح به الحاكم العسكري الإسرائيلي، احتفظ الملحق الرابع لاتّفاق أوسلو في المادة (5) لمنظّمة التحرير الفلسطينية بصلاحية التعامل في العلاقات الخارجية، والدبلوماسية، والتفاوض مع الجهات الدولية باسم الشعب الفلسطيني. أي أنّ السلطة الفلسطينية لا تملك، حسب اتّفاق إنشائها، أيّ صلاحية أو سلطة خارج حدود مناطق سلطتها، لذلك لا تزال السلطة متمسكةً بالمنظًمة لأنّها تحتاجها لإسباغ شرعية على نشاطاتها ومعاملاتها في الخارج، خصوصًا عقد الاتّفاقيات الدولية، مثل اتّفاقية باريس الاقتصادية لعام 1994 بين منظّمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

إهمال مؤسسات المنظّمة
باستثناء الانعقاد الصوري والشكلي لتلبية طلبات رئيس السلطة، والتصديق على قرارته من دون نقاش، لا تعقد اجتماعات المجلس الوطني الرسمية والسليمة، أو اجتماعات أي مؤسسة رسمية، أو تمثيلية من مؤسسات المنظّمة في الداخل أو الخارج. إذ يقتصر نشاط المجلس الوطني، ومؤسسات المنظّمة كلّها على صرف الميزانيات من دون رقابة ولا شفافية، وإصدار بيانات التعزية والتهنئة المؤيدة للرئيس، أو المناشدة أو الاحتجاج على الاحتلال. أما إن عقدت هيئة أو مؤسسة من مؤسسات المنظّمة اجتماعها، وصدر عنها أيّ قرارات، مثل المجلس المركزي فيتم تجاهلها، ولا تتعدى الخبر الإعلامي في حينه.

محاولات إلحاق المنظّمة بالسلطة
في خطوة مفاجئة؛ لم تعرف دواعيها، أصدر الرئيس محمود عباس في فبراير/شباط 2022 مرسومًا يلحق دوائر المنظّمة بالسلطة، تحت مسمى "دولة فلسطين". رفضت فئات الشعب الفلسطيني كلّها القرار لاعتباره تقزيمًا لسلطة تمثيل الشعب الفلسطيني العليا، وتعَدّيًا غير مشروع على مكانة منظّمة التحرير شخصيةً قانونيةً دوليةً مستقلةً فوق الدولة والسلطة، كما أكّدته قرارات أممية عديدة.

قرار الأمم المتّحدة 67/19 (4 ديسمبر/كانون الأول 2012) الاعتراف بفلسطين دولةً غير عضو في الأمم المتّحدة، ومنحها وضع مراقب، ثبت في المادة 2 أن ذلك "من دون تأثير على الحقوق والامتيازات والدور الذي تتمتع بها المنظّمة بصفتها ممثّل الشعب الفلسطيني". لا اعتقد أنّ تكرار ذلك التنبيه من الأمم المتّحدة غير مقصود، بل يعبر عن إدراك راسخ وثابت أنّه لا يمكن تجاوز المنظّمة، التّي تمثّل الفلسطينيين كلّهم حول العالم.

لذلك من المستهجن أن نرى جهات (فلسطينية) تقوم بمحاولات حثيثة لتجاوز وتحييد أو تصفية المنظّمة. من مظاهر ذلك، المراسيم الصادرة عن السلطة؛ تسجل "دولة" قبل منظّمة التحرير، رغم أن الأولى أصغر وأدنى مرتبةً من المنظّمة في النظام الدستوري والمؤسساتي الفلسطيني، وليس لها نفوذٌ حقيقيٌ إلّا على بعض سكان الأراضي المحتلة عام 1967.

في تصادم دستوري آخر، أصدر الرئيس عباس في 2025 مرسوم استحداث منصب نائب رئيس دولة فلسطين، الذي وصف بأنّه فصل خصيصًا للسيد حسين الشيخ، أمين سر اللجنة التنفيذية للمنظّمة، ليصبح الشخص نفسه متنفذًا فعليًا في منصبين حقيقيين ولكن غير قائمين، نائب رئيس اللجنة التنفيذية للمنظّمة، ونائب رئيس السلطة الفلسطينية.

يمكن أن نجد صعوبةً في الفصل بين تصرفات السلطة، في تجاوز وتصفية المنظّمة، وأهداف ومساعي الاحتلال لتصفية القضية الفلسطينية، وإلغاء الحقوق الوطنية الفلسطينية، فإهمال المنظّمة يخدم مباشرةً مصلحة الاحتلال، الذي يعلن أنّه لا يعترف بوجودها، ولا بحقوق الشعب الفلسطيني. فإذا أهملت المنظّمة أو ألغيت، وهي الند القانوني لإسرائيل في الساحة الدولية، لا يبقى ممثلًا شرعيًا للشعب الفلسطيني. إسرائيل ودول وازنة في العالم، أوّلاها الولايات المتّحدة، لا تعترف بدولة فلسطين، ولا تتعامل معها. السلطة الفلسطينية قائمة بسبب وجود المنظّمة، وليس لها أيّ قيمة قانونية خارج مجال تعاملها مع الاحتلال، الذي يتحكم بها وبوجودها وفائدتها.

لا يوجد أساس قانوني، ولا مصلحة وطنية فلسطينية في تصرفات السلطة، ومحاولاتها تصفية المنظّمة، لذا فإنّ تلك التصرفات تجسد فعلًا معنى الحديث عن العقوق والجحود، الذي تجده المنظّمة (الأم) من وليدتها الجاحدة (السلطة). أخيرًا، دعوات إعادة بناء المنظّمة على أسس ديموقراطية وتمثيلية حقيقية تؤكّد الوعي بمكانة وأهمية المنظّمة للشعب الفلسطيني، ويجب الحفاظ عليها كذلك.

العربي الجديد