2026-03-07 06:39 ص

إسرائيل تمهد لضم قلب الضفة: "طريق السيادة" يقترب من التنفيذ

2026-01-16

تستعد إسرائيل لبدء تنفيذ مشروع طريق التفافي جديد في قلب الضفة الغربية المحتلة مطلع شباط/فبراير المقبل، في خطوة وُصفت بأنها ترسيخ عملي لسياسة الضم الزاحف وتصفية لإمكانية قيام دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً، وفق تقرير لصحيفة "الغارديان" البريطانية.

وسيؤدي الطريق الذي يشكل جزءاً أساسياً من مخطط استيطاني ضخم في منطقة "E1" شرق القدس، إلى إغلاق واحدة من أكثر المناطق حساسية استراتيجياً أمام الفلسطينيين، مقابل فتحها حصرياً أمام المستوطنين الإسرائيليين. ويُعدّ المشروع محورياً في خطة إقامة مستوطنة إسرائيلية واسعة جديدة شرق القدس، من شأنها أن تقطع الترابط الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، وتعزل القدس الشرقية المحتلة عن محيطها الفلسطيني بالكامل.

ولم يخفِ وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش البعد السياسي للمشروع حين قال صراحة إن هذه الخطط تهدف إلى "دفن فكرة الدولة الفلسطينية، " حيثصُمم الطريق الجديد ليكون "ممر عبور مغلقاً" للفلسطينيين فقط، ما يمنح إسرائيل ذريعة قانونية وأمنية لمنعهم لاحقاً من استخدام الطرق القائمة في المنطقة الاستيطانية المخطط لها، بحيث تصبح جميع هذه الطرق مخصصة حصرياً للمركبات الإسرائيلية، وهو ما يفرض نظام فصل كامل في الحركة والتنقل بين شبكتين منفصلتين، واحدة للإسرائيليين وأخرى للفلسطينيين، حسب توصيف "الغارديان".

وأُطلق على المشروع داخل الأوساط الإسرائيلية اسم "طريق السيادة"، وهو الاسم الذي استخدمه وزير الدفاع نفتالي بينيت عند الموافقة الأولى عليه عام 2020، حيث قال: "نحن نطبّق السيادة بالأفعال لا بالأقوال". أما وزير الأمن الحالي يسرائيل كاتس، فقد أكد العام الماضي أن مشاريع الطرق والاستيطان تعزز "قبضة إسرائيل" على الضفة الغربية.

 

عقدة الجغرافيا الفلسطينية

وتمتد منطقة "E1" على نحو 3% من مساحة الضفة الغربية، وهي مثلث استراتيجي يقع بين القدس ورام الله وبيت لحم، وتُعد شرياناً حيوياً لأي كيان فلسطيني قابل للحياة اقتصادياً وجغرافياً. وبناء مستوطنة إسرائيلية فيها يعني عملياً فصل الضفة إلى كانتونين شمالي وجنوبي، وتحويل أي دولة فلسطينية مستقبلية إلى كيان ممزق بلا تواصل إقليمي، ولهذا السبب، لطالما اعتُبر البناء في E1 "خطاً أحمر" دولياً، لأنه يؤدي إلى القضاء على مبدأ حل الدولتين على الأرض، وليس فقط في الخطاب السياسي.

 

"طريق أبارتهايد"

ويطلق المعارضون للمشروع عليه اسم "طريق الأبارتهايد"، لأنه يؤسس لنظام فصل عنصري في البنية التحتية، حيث يُجبر الفلسطينيون والإسرائيليون على استخدام شبكات مواصلات منفصلة، كما تنقل الغارديان.

وقالت خبيرة شؤون الاستيطان في منظمة "السلام الآن" الإسرائيلية، هغيت عوفران، في تصريح لـ"الغارديان"، إن الطريق ليس مشروعاً تقنياً بل أداة سياسية لإعادة هندسة السكان، و"أداة للتطهير العرقي لما تبقى من المجتمعات الفلسطينية في المنطقة، هم يريدون الأرض، ولا يريدون الناس". وأضافت أن بناء طريق يسمح للفلسطينيين بالمرور لا يخفف من أثر ضم الأرض نفسها للمستوطنين، مشددة على أن المشكلة ليست في المواصلات بل في مصادرة الأرض والسيطرة عليها.

 

إنذارات بالهدم والعزل

وبدأت السلطات الإسرائيلية بإخطار الفلسطينيين المتضررين من المشروع، وتلقت المحامية نيتا عمار-شيف، التي تمثل سكاناً قدموا التماسات لوقف الطريق أمام المحاكم الإسرائيلية، رسالة رسمية الأسبوع الماضي تمنحهم مهلة 45 يوماً للاعتراض قبل بدء الأعمال.

ويمر المسار المخطط للطريق فوق منازل في تجمع "السريرية" المقرر هدمها، فيما ستُحاصر تجمعات فلسطينية أخرى مثل العيزرية وأبو ديس والسواحرة ضمن كتلة استيطانية مغلقة، وفق ما أوردته "الغارديان".

وقالت عوفران: "يمكنهم نظرياً وضع حاجز على مدخل العيزرية وإعطاء السكان تصاريح، لكن لا يمكن لأي مجتمع أن يعيش حياة طبيعية وهو محاط بالكامل بالمستوطنات". وأضافت أن النتيجة المتوقعة هي عزل هذه المجتمعات عن محيطها الطبيعي، تمهيداً لطردها الفعلي أو دفعها إلى الرحيل القسري

 

بناء آلاف الوحدات الاستيطانية

ويتزامن شق الطريق مع استعدادات إسرائيلية لبناء أكثر من 3 آلاف وحدة استيطانية جديدة في منطقة "E1"، قرب مستوطنة "معاليه أدوميم" الكبرى. ويحتاج أي إسرائيلي يعبر من هذه المنطقة إلى القدس إلى المرور عبر حاجز عسكري حالياً، لكن بعد منع الفلسطينيين من استخدام الطرق، سيُزال الحاجز، ما يسمح بحركة إسرائيلية متصلة وغير منقطعة نحو القدس، وفق ما ذكرت الصحيفة.

وقالت عوفران إن الطريق ليس تفصيلاً ثانوياً في المشروع الاستيطاني: "يمكنهم نظرياً بناء المستوطنة من دون الطريق، لكن لجعلها جذابة وقابلة للحياة، لا بد من الطريق. إنه جزء من الفكرة الكاملة".

 

تجاهل للقرارات الدولية

وأدانت أكثر من 20 دولة، بينها بريطانيا وفرنسا وكندا وأستراليا، منح إسرائيل الموافقة التخطيطية النهائية لمشروع "E1" العام الماضي، واعتبرته انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وخطوة من شأنها تأجيج العنف. كما أصدرت محكمة العدل الدولية عام 2024 رأياً استشارياً أكدت فيه أن الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، وطالبت إسرائيل بإنهائه "بأسرع وقت ممكن"، مع تقديم تعويضات كاملة عن الأضرار.

لكن الحكومة الإسرائيلية، منذ ذلك الحين، مضت في سياسة توسع استيطاني غير مسبوقة في الضفة الغربية، من دون معارضة تُذكر من أي حزب سياسي إسرائيلي رئيسي، ما يعكس تحول الاستيطان من سياسة خلافية إلى إجماع سياسي داخلي شبه كامل، حسب "الغارديان".