ما إن وُلدت ما تُسمّى بـ"اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة"، حتى كشفت عن وجهها الحقيقي قبل أن تخطو خطوتها الأولى.
لم تنتظر طويلًا لتدّعي الحياد أو تتقن لعبة الأقنعة؛ بل اندفعت، بتصريحات سياسية لافتة، ومواقف أيديولوجية فاضحة، تُسقط عنها صفة "التكنوقراط" و"المهنية" التي جرى تسويقها بها، وتضعها مباشرة في مربع التماهي الصريح مع الرؤية الأميركية – الإسرائيلية، ولكن هذه المرة… مغلّفة بلحية وخطاب ديني منمّق.
من حق الفلسطينيين، بل من واجبهم، أن يشكّوا ويرتابوا. فمن يولد سياسيًا بهذه السرعة، وبهذا الخطاب، لا يمكن اعتباره لجنة إدارية محايدة. وما يجري ليس سوء فهم ولا زلة لسان، بل انكشاف مبكر لدور خفي يُراد تمريره بهدوء، تمامًا كما جرى في تجارب سوداء سابقة، حين قُدّمت "روابط القرى" كحل إداري، فإذا بها ذراع للاحتلال وأداة لضرب المجتمع من الداخل.
التصريحات التي أطلقها رامي توفيق حلس، المعيَّن مسؤولًا عن ملف الأوقاف والشؤون الدينية في هذه اللجنة، ليست مجرد آراء شخصية، بل بيان سياسي كامل الأركان، يحمل في طياته خطرًا مركبًا: تسييس الدين، وتشويه الوعي، وإعادة إنتاج سردية الاحتلال بأدوات محلية. فحين يبدأ مسؤول ديني حديثه بتصنيف الإسلام إلى "وسطي معتدل" في مقابل "متطرف منحرف"، فإنه لا يجتهد دينيًا، بل يردّد قاموس واشنطن وتل أبيب حرفيًا، ويقدّم خدمة مجانية لأكثر الخطابات الاستعمارية عداءً للدين.
هذا الخطاب، مهما غُلّف بآيات وأحاديث، ليس إلا قدحًا فجًّا في الدين، واختزالًا مشينًا له، وتصنيفًا مرفوضًا يُستخدم عالميًا لتبرير القمع والتجريم. والأخطر من ذلك، أنه يتجاهل عمدًا جوهر المأساة: مساجد قُصفت، وكنائس دُمّرت، ومقدسات أُبيدت فوق رؤوس المصلين، بينما ينشغل "مسؤول الأوقاف" بتسويق خطاب التعايش المجرد، وكأن المشكلة في الفلسطينيين لا في الاحتلال الذي ارتكب المجازر.
أما الهجوم على عملية "طوفان الأقصى"، ووصمها بأنها أغرقت فلسطين في "وحل الجهل والدمار"، فليس فقط إساءة لدماء الشهداء وتضحيات الناس، بل انخراط فاضح في الرواية الإسرائيلية التي تُحمّل الضحية مسؤولية الجريمة. هنا يسقط القناع تمامًا: لسنا أمام لجنة إنقاذ، بل أمام خطاب يُعيد تعريف الجريمة، ويُدين المقاومة، ويبرّئ الاحتلال، باسم الدين تارة، وباسم "الاعتدال" تارة أخرى.
أن تبدأ لجنة لم تتسلّم مهامها بعد بإطلاق تصريحات سياسية "مرعبة" عن المرحلة المقبلة، فهذا وحده كافٍ لنسف ادعاء أنها لجنة إدارية فقط. ما يجري هو محاولة لإعادة هندسة الوعي الفلسطيني وكيه، وضبطه على مقاس الشروط الدولية وأجندة الاحتلال، ولكن بواجهة محلية، وبـ"لحية" يُظن أنها بطاقة عبور.
في غزة التي ما زالت تحت الركام، لا يحتاج الناس إلى خطب تُدينهم، ولا إلى لجان تُدرّبهم على قبول الهزيمة باسم الاعتدال. يحتاجون إلى من يقف مع حقهم، لا من يُعيد صياغة خطاب القامع بلسان الضحية. وما لم يُواجَه هذا المسار منذ الآن، فإن القادم أخطر بكثير مما يُقال في المنشورات.
"وكالة وطن للانباء"

