2026-03-07 02:33 م

استمرارية التعليم في المدارس الفلسطينية في أوقات الأزمات

2025-11-28

كتب د. وحيد جبران
مقدمة
تواجه بعض الأنظمة التعليمية حول العالم أزمات متعددة بسبب النزاعات المسلحة، والكوارث الطبيعية، والأوبئة الصحية، والاضطرابات الاقتصادية. تسبب هذه الأزمات الكثير من الاضطراب والشلل للتعليم، وتؤدي إلى تدني دافعية الطلبة للتعلم وتراجع تحصيلهم وتسرب البعض منهم، وكثيرا ما تسبب تراجع جودة التعلم، وتآكل البنية التعليمية.  وتشير التقارير والدراسات إلى أن الاضطراب المتكرر في التعليم والتوقف عن التعليم لفترات طويلة يؤدّي إلى فقدان تعليمي كبير وتزايد مخاطر الهدر المدرسي وتأثر الصحة النفسية للطلبة والمعلمين.

في فلسطين، تتداخل أزمات متعددة (إغلاق طرق، عمليات عسكرية، قيود تنقل، انقطاع خدمات، نزوح قسري، ازمات مالية واقتصادية، أزمات نفسية واجتماعية وصحية)، وتواجه منظومة التعليم اضطرابات متكررًة في الخدمات التعليمية جراء موجات الانتهاكات من  قبل سلطات الاحتلال الاسرائيلي وعنف واعتداءات المستوطنين وحالات الإغلاق والحصار والقيود على الوصول إلى المدارس وأماكن التعليم المؤقتة، وهدم المدارس. تؤثر هذه الاضطرابات على ممارسة الحق في التعليم وتشكل تهديدا لمستقبل المتعلمين ومعيقا أمام قدرة المعلمين على الاستمرار بمهمتهم؛ مما يستدعي استراتيجيات مرنة تأخذ بعين الاعتبار الفروقات الجغرافية والإمكانيات المحلية، وتتطلب استمرارية التعليم نهجًا قائمًا على الحماية، المرونة المنهجية، وتمكين المجتمع المحلي، وتستند إلى معايير الحد الأدنى للتعليم في الطوارىء التي طورتها الشبكة المشتركة لوكالات التعليم في الطوارىء (INEEMS 2024).
سأتناول في هذه المقالة مفهوم الأزمة وأنواعها، والتحديات الناتجة عن الأزمة والتي تؤثر على العملية التعليمية في فلسطين، ثم أنتقل إلى متطلبات الانتظام في الدراسة واستمرار التعليم، سواء كانت متطلبات سياساتية، أو تربوية وتعليمية، أو إدارية وتنظيمية، أو مجتمعية. وفي نهاية المقالة أتقدم بمجموعة من التوصيات لضمان استمرارية التعليم في الأزمات في السياق الفلسطيني.

مفهوم الأزمة وأنواعها
قبل الخوض في الحديث عن التحديات التي تواجه استمرارية التعليم في المدارس، والعوامل التي تدعم هذه الاستمرارية، سأحاول تناول مفهوم الأزمة وأنواعها.
الأزمة هي حالة أو نقطة تحول أو حدث مفاجئ يؤدي إلى اختلال التوازن ويهدد استقرار جزء كبير من المجتمع، وقد تكون الأزمة واسعة النطاق، ونتائجها سلبية كبيرة، وتأثيرها يستمر لفترة طويلة.  وقد تكون الأزمة، حادة، أو ممتدة، وكثيرا ما تحتاج إلى إدارة واستراتيجيات فعالة لمنع تفاقمها. وفيما يتعلق بالتعليم، فقد تسبب له توقفا مؤقتا وتعطل فوريا يتطلب استجابة سريعة، وقد تؤثر عليه على المدى البعيد، وتزيد من الفجوات الاجتماعية والمعرفية، وتتطلب تدخلات مرنة لضمان استمرارية التعليم بأقل خسائر ممكنة للحفاظ على حق التعلم للجميع
الآزمة الحادة
الآزمة الحادة (Acute Crisis) هي حالة طارئة أو حدث أو وضع ينشأ بشكل مفاجئ وسريع، يؤدي إلى تدهور سريع جداً في الوضع الإنساني يهدد الحياة والرفاه على المدى القصير، وإلى احتياجات إنسانية فورية وملحة، وتتطلب استجابة عاجلة وفورية.
وتتسم الأزمة الحادة بأنها تحدث بشكل غير متوقع أو مع تصعيد سريع للعنف أو الكارثة، وتتطلب استجابة سريعة جداً لإنقاذ الأرواح وتوفير المساعدة المنقذة للحياة في الأيام والأسابيع الأولى، وتكون مرحلة الاستجابة الحادة قصيرة الأمد، على الرغم من أن آثارها قد تستمر. وقد تنتج الأزمة الحادة عن عوامل مختلفة، منها:
• الكوارث الطبيعية: مثل الزلازل، الفيضانات، الأعاصير، التي تحدث فجأة وتؤدي إلى تدهور سريع في الوضع الإنساني.
• اندلاع نزاعات مسلحة مفاجئة: نزاعات جديدة أو تصعيد مفاجئ في العنف يؤدي إلى نزوح جماعي وحالات طوارئ إنسانية.
• انتشار الأمراض المعدية بشكل سريع: أوبئة تعصف بالمجتمعات بشكل مفاجئ كما حدث في جائحة كورنا.
• انهيار سريع في الخدمات الأساسية: مثل الرعاية الصحية، الغذاء، والمأوى والتعليم بسبب أحداث مفاجئة.
• عجز في الوصول إلى السكان المحتاجين بسبب القيود الطارئة: مثل القيود الحكومية أو الأمنية التي تمنع تقديم المساعدة.

الأزمة الممتدة
الأزمة الممتدة (Protracted Crisis) هي حالة إنسانية تستمر لفترة طويلة، غالباً لسنوات أو حتى عقود تعيش فيها المجتمعات حالة من عدم الاستقرار، وغالباً ما تكون نتيجة لأحداث مركبة مثل النزاعات المستمرة، الفقر المدقع، النزوح المطول، أو الانهيار الاقتصادي. وتتسم باحتياجات إنسانية مستمرة ومعقدة، تتداخل مع تحديات التنمية الأساسية ونقاط الضعف الهيكلية، وتتطلب استجابات تنموية مستدامة إلى جانب الطوارئ.
وتستمر الأزمة الممتدة لفترات زمنية طويلة، مما يؤدي إلى تآكل قدرات المجتمعات على الصمود، وهي تتجاوز الاحتياجات الفورية لتشمل قضايا التنمية، مثل تدمير البنية التحتية، وتدهور سبل العيش، والآثار النفسية طويلة الأمد، وتتطلب نهجاً شاملاً يربط بين العمل الإنساني، والتنمية، وبناء السلام. وقد تشهد الأزمات الممتدة "ارتفاعات غير متوقعة" في الاحتياجات؛ مما يتطلب استجابات حادة ضمن السياق الأوسع، وغالباً ما تُعاني من نقص مزمن في التمويل، حيث قد تُنسى مع مرور الوقت.

وقد تنتج الأزمة الحادة عن عوامل مختلفة، منها:
• الاحتلال المستمر والقيود المفروضة على الحركة: كما في الأراضي الفلسطينية المحتلة، حيث تُشكل أوامر الهدم وعنف المستوطنين في الضفة الغربية تهديداً مستمراً للمدارس.
• نزاعات مسلحة مستمرة وطويلة الأمد: حروب أهلية أو صراعات معقدة تستمر لسنوات، مع عدم وجود آفاق للسلام أو إعادة بناء منظمة مما يطيل أمد الأزمة.
• انهيار مؤسسات الدولة والمجتمعات: ضعف في الحكم، فساد، وتدهور في الخدمات العامة الأساسية.
• الفقر المدقع والبطالة المستمرة: فقر شديد وبطالة واسعة تضعف القدرة على الصمود والاستجابة للأزمات.
• النزوح المطول واللجوء: استمرار نزوح أعداد كبيرة من الناس داخل الدولة، أو لجوء البعض منهم إلى دول أخرى لفترات طويلة.

التحديات الرئيسة التي تواجه العملية التعليمية
في أوقات الأزمات، خاصة تلك الناتجة عن العمليات العسكرية واعتداءات المستوطنين، تواجه العملية التعليمية في المدارس الفلسطينية والمنخرطون فيها من إداريين ومعلمين ومرشدين وطلبة مجموعة من التحديات التي يجب أن نعيها وأن نعمل على أخذ في الاعتبار عند أي تدخل لدعم استمرار العملية التعليمية وانتظام الطلبة والمعلمين فيها. من هذه التحديات (أبو عوض، 2025؛ مصطفى، 2025):
1. الوصول غير الأمن وغير المنتظم إلى المدارس نتيجة الحواجز العسكرية على الطرق، والتهديدات الأمنية، والهجمات على المدارس، وانعدام وسائل حماية المدارس من الاستخدام العسكري أو الاستهداف.
2. الاعتداءات المستمرة على التعليم: تعاني المدارس الفلسطينية من الانتهاكات الجسيمة ضد حق التعليم واستهداف الطلبة والمعلمين والبنية التحتية والمرافق المدرسية بالهجمات العسكرية واعتداءات المستوطنين؛ ما يؤكد الحاجة الملحّة لحماية المتعلمين والمعلمين وتعزيزوحماية الحق في التعليم وتسهيل مواصلة التعليم في حالات النزاع المسل في مدارس آمنة.
3. الأزمات النفسية والاجتماعية، يعاني الكثير من الأطفال من أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، مقابل ذلك ما زالت خدمات الدعم النفسي والاجتماعي المقدمة للطلبة والمعلمين بعد الصدمة دون المتوقع، خاصة في قطاع غزة.
4. تدني قدرات المعلمين على استخدام البدائل التعليمية مثل التعليم عن بعد، وتصميم مواد غير متصلة بالشبكة، والتعليم المرن المستجيب للأزمات، والتكيف مع التعليم في حالات الطوارىء.
5. تسييس التعليم وضغوط التمويل عبر محاولات فرض مناهج بديلة تهدف إلى تغيير الرواية التاريخية والثقافية، وتهدد السيادة التعليمية كما يحدث في الشروط التي تضعها الدول المانحة على السلطة الوطنية الفلسطينية لكي تغير محتوى المناهج.
6. الفجوة الكبيرة في التمويل: تمر بها السلطة الوطنية الفلسطينية بأزمة مالية حادة خلقت فجوة تمويلية كبيرة أدت إلى عدم المقدرة على دفع رواتب المعلمين كاملة وبانتظام، والنقص في الموارد اللازمة لتشغيل المدارس وشراء موارد التدريس والدعم النفسي.
متطلبات الانتظام في الدراسة واستمرار التعليم
في السياق الفلسطيني، حيث تتكرّر الأزمات والاضطرابات التي تعيق انتظام العملية التعليمية، تبرز الحاجة إلى مجموعة من المتطلبات العملية التي تعد من المتطلبات التي تساعد الطلبة والمعلمين على الانتظام في الدراسة واستمرار التعليم في أوقات الأزمات والطوارئ. يمكن تصنيف هذه المتطلبات إلى الآتية:
متطلبات سياساتية
لضمان استمرارية التعليم وممارسة الحق في التعليم الأزمات، يظهر الدور الحاسم للإطار التوجيهي والسياسات التي تدعم دمج المرونة المجتمعية، وتعزز السيادة الوطنية، والاستدامة التربوية والحقوقية، ليصبح التعليم فعلاً مستمراً وراسخاً، حتى في أقسى الظروف (زيد، 2025). وفي هذا الإطار تبرز الحاجة إلى:
• تبني سياسات وطنية مرنة: تتضمن تسهيل الاعتراف بالتعلم غير النظامي والتعليم البديل، وتطوير بروتوكولات وطنية لتفعيل التعليم في الأزمات.
• خطة وطنية لاستمرارية التعليم في الأزمات: تبنّي وثيقة إطار مرن تُلزم مديريات التربية والتعليم والمدارس بخطط طوارئ مدرسية موحّدة  ومستندة إلى المعايير الدنيا للتعليم في الطوارىء التي طورتها شبكة الأيني (INEE).
• تصنيف المدارس ووضع بدائل: تحديد مدارس بديلة ومراكز مجتمعية ومجموعات تعليمية متنقلة قابلة للتفعيل فورًا.
• تطوير بروتوكولات حماية المدارس: توثيق سياسات تمنع تحويل المدارس إلى أهداف عسكرية والتعاون مع شركاء دوليين لتطبيق مبادئ إعلان المدارس الآمنة.
• ضمان تمويل مستدام للتعليم في الطوارئ: توجيه جزء من موازنات الطوارئ لدعم التعليم المستمر (مواد مطبوعة، تدريب، دعم نفسي)، وإشراك المانحين في تمويل برامج استمرارية التعليم.
• تطبيق "إعلان المدارس الآمنة" ومبادئه: تطبيق هذا الإعلان بهدف حماية المدارس من الاستخدام العسكري والهجمات.
• توفير بيئة تعلم آمنة وشاملة: من خلال تهيئة المدارس لتكون صديقة للأطفال وذوي الإعاقة، وتعزيز ثقافة الرفق واللاعنف داخل المدرسة، و تدريب الطلبة والمعلمين على إجراءات السلامة والإخلاء.


متطلبات تربوية وتعليمية
يتطلب ضمان استمرارية التعليم وممارسة الحق في التعليم الأزمات توفير مجموعة من المتطلبات التربوية والتعليمية، وتوظيفها على نحو فاعل. من هذه المتطلبات:
1. تنويع نماذج التعليم البديلة: من خلال تطبيق التعليم المدمج (وجاهي + إلكتروني + تعلّم منزلي)، وتطوير دروس قصيرة ومبسطة قابلة للتطبيق عبر المذياع أو المنصات الرقمية أو الطباعة الورقية. وكذلك، اعتماد “حقائب تعليمية منزلية” للطلبة في المناطق المعزولة أو المهددة، واستخدام استراتيجيات تعلم نشط تساعد الطلبة على استرجاع المفاهيم الأساسية بسرعة.
2. تطوير حزم تعليمية مختصرة ومواد بديلة: اعتماد وحدات دراسية مرنة (أولوية أساسيات القراءة والرياضيات والمهارات الحياتية) قابلة للطباعة والبث الإذاعي/ التلفزيوني.
3. تعزيز الدعم النفسي الاجتماعي والتعلم الاجتماعي العاطفي: من خلال دمج أنشطة الدعم النفسي والاجتماعي في الحصص الدراسية، وتوفير برامج دعم نفسي اجتماعي للمعلمين والمرشدين ومديري المدارس، فضلا عن تدريب المعلمين على مهارات التكيّف، التواصل الداعم، والتعامل مع الصدمات، و تطوير واعتماد آليات لإحالة الطلبة المتأثرين إلى خدمات صحية ونفسية متاحة.
4. تنظيم برامج تعليم استداركي وتعليم علاجي: يتم تنظيم تعليم استدراكي لمجموعة الطلبة الذين انقطعوا عن التعليم لأسابيع أو أشهر متواصلة، وتعليم علاجي للطلبة الأكثر تأثرًا مع تقييم تشخيصي لتحديد الفاقد التعليمي.
5. تنظيم برامج تدريب سريعة ومستمرة:  تتضمن تصميم دروس قصيرة، تعليم علاجي، وإدماج الدعم النفسي الاجتماعي، والتعلم العاطفي الاجتماعي، ومهارات التكيف والمرونة والصمود، وإدارة الصف في بيئات غير مستقرة، ومهارات التواصل الفعال مع الطلبة والأهالي والمجتمع المحلي، وتوظيف التعليم المدمج والتقنيات البديلة (التعليم عن بعد، الوسائط البسيطة، الموارد غير المتصلة بالإنترنت)، و استخدام تقنيات قليلة التكلفة،.

متطلبات إدارية وتنظيمية
يتطلب ضمان استمرارية التعليم وممارسة الحق في التعليم الأزمات توفير مجموعة من المتطلبات الإدارية والتنظيمية، وتوظيفها على نحو فاعل. من هذه المتطلبات:
• تفعيل خطط الطوارئ المدرسية: وضع خطط بديلة لاستمرار التعليم عند تعذّر الوصول إلى المدارس، وتوزيع الأدوار بين الطاقم التعليمي والإداري والمجتمع المحلي، فضلا عن توفير مجموعات طوارئ للمعلم (مواد مطبوعة، دلائل صفية، أجهزة اتصال أساسية)، وتوظيف منصات الكترونية محلية لتبادل خطط الدروس والموارد بين المعلمين.
• تعزيز التنسيق بين الجهات التربوية: تعزيز دور مجموعة التعليم والتعاون بين وزارة التربية والتعليم، وكالة الغوث، ومنظمات المجتمع المدني، ومشاركة المدارس في شبكات دعم محلية لتبادل الموارد والمساعدات.
• توفير الدعم الإداري والتقني للمعلمين: توفير الرواتب بانتظام أثناء الأزمات، وتسهيل التواصل المستمر بين الإدارات والمعلمين، وكذلك، توفير أدوات تقنية (مثل الإنترنت أو أجهزة لوحية) للمعلمين في المناطق المتضررة.

متطلبات مجتمعية
يتطلب ضمان استمرارية التعليم وممارسة الحق في التعليم الأزمات توفير مجموعة من المتطلبات المجتمعية، وتوظيفها على نحو فاعل. من هذه المتطلبات:
• تعزيز المشاركة المجتمعيّة في العمليّة التعليميّة: من الضروري عدم الاعتماد الكلّيّ على الهيئات الرسميّة، لأنّها لا تستطيع ضمان التعليم الجيّد وحدها، و تعزيز مشاركة المؤسسات المجتمعية المحلية والأطفال والشباب وأولياء الأمر في وضع خطّة الطوارئ، وإيجاد البدائل، والاستماع لصوتهم بوصفه صوتًا مهمًّا في العمليّة التعليميّة، فضلا عن تشكيل لجان محلية تساعد في تأمين أماكن بديلة، نقل الطلبة، توزيع مواد تعليمية، توفير مواد غذائية للطلبة في حالة الحصار داخل مدارسهم ومنعهم من مغادرتها لساعات طويلة و توفير بدائل عدّة تتناسب مع كلّ التجمّعات والاحتياجات والقدرات، لضمان التنوّع والشموليّة في الخدمات ضمن البدائل المتاحة (عفونة، 2021).
• بناء قدرات الأهالي ومؤسسات المجتمع المحلي: من خلال تدريب الأهالي على دعم التعلم المنزلي ومساندة أبنائهم نفسيًا وتعليميًا من خلال جلسات سريعة تبسيطية (كتيّبات/ مقاطع صوتية) تشرح كيف يمكن أن يساعد الأهالي أبنائهم وبناتهم في التعلم خلال الانقطاع. وتطوير قدرات مؤسسات المجتمع المحلي في إعداد مبادرات مجتمعية لتوفير أماكن بديلة للتعلم (مراكز مجتمعية، خيام تعليمية...).
• تعزيز المناصرة المجتمعية لأهمية التعليم في الأزمات: من خلال حملات توعية مجتمعية تؤكد أن التعليم أولوية حتى في الطوارئ، وتوجيه رسائل مجتمعية تُعلي من قيمة الاستمرارية التعليمية وتحفز الحماية المحلية للمدارس والطلبة، وكذلك، إشراك القادة المحليين في الدعوة لحماية التعليم والمدارس.

متطلبات تقنية
هناك مجموعة من المتطلبات التي تصنف بالتقنية التي يتوجب توفيرها لكي نضمن استمرارية التعليم وممارسة الحق في التعليم الأزمات. من هذه المتطلبات:
• تعزيز التعليم الافتراضي: يتم من خلاله استخدام الفضائيات التعليمية، وتطوير رزم تعليمية مرنة، وتنظيم الامتحانات عن بُعد في مناطق النزوح، لضمان الاستمرارية والوصول العادل.
• توظيف التكنولوجيا في التعليم في الطوارئ: عبر استخدام منصات محلية منخفضة التكلفة، وتطوير تطبيقات تعليمية تعمل دون اتصال بالإنترنت.
• تعزيز مهارات المعلمين في التعليم الرقمي: عبر تنظيم تدريبات عملية في تصميم الدروس الرقمية والتفاعل عن بعد، وتبادل التجارب الناجحة بين المعلمين.
• اعتماد حلول تعليمية غير متصلة بالإنترنت:  وحدات USB/بطاقات  SD، دروس مسجلة، مواد مطبوعة، وبرامج إذاعية وتلفزيونية.
• اعتماد بوابة موارد مركزية: تكون هذه البوابة على مستوى وزارة التربية والتعليم ومديريات التربية والتعلمي لتحميل ومشاركة موارد تعليم الطوارئ (نسخ خفيفة وسهلة الطباعة).
• ضمان الوصول المجاني أو المدعوم إلى الموارد: يتم ذلك بالتعاون مع مزودي الخدمة لتسهيل الوصول المجاني أو المدعوم للموارد التعليمية عند الإمكان.
التوصيات لضمان استمرارية التعليم في الأزمات
نظرا لأن مسؤولية دعم انتظام العملية التعليمية واستمرارها في أوقات الأزمات هي مسؤولية مشتركة تتشارك فيها عدة أطراف، هناك مجموعة من التوصيات التي ينبغي العمل وفقها إذا ما أردنا ضمان استمرارية التعليم في المدارس الفلسطينية في أوقات الأزمات (زيد، 2025)، فيما يأتي هذه التوصيات الموجهة لكل طرف منها.

التوصيات الموجهة لوزارة التربية والتعليم
1. إصدار خطة وطنية لاستمرارية التعليم وتخصيص تمويل طارئ.
2. إعداد دليل وطني لخطط الطوارئ المدرسية استنادًا إلى معايير شبكة الأيني (INEE).
3. إنشاء صندوق طوارئ لتوفير مواد تعليمية ودعم نفسي للمدارس المتأثرة.
4. دمج التعليم في خطط الطوارئ الوطنية والإقليمية: تضمين التعليم كعنصر أساسي في خطط الاستجابة للأزمات والكوارث، مع وحدات تعليمية مرنة وقابلة للتحويل لضمان استمرار السيادة التعليمية، مع مراعاة تطوير قدرات النظام على التكيف المستمر.
5. تعزيز المرونة المؤسسية والتكيف المستدام: تجهيز مدارس قابلة للتحويل إلى مراكز تعليمية بديلة أو ملاجئ آمنة، مع تطوير رزم مناهج مرنة وفصول هجينة، ومنصات افتراضية وتقنيات التعلم عن بُعد، بما يعزز العملية التعليمية المفتوحة والمتواترة.
6. حماية المعلمين ودعمهم النفسي والاجتماعي: برامج تدريبية مستمرة لتأهيل المعلمين على إدارة التعليم في ظروف النزاع والأزمات، وتوفير دعم نفسي واجتماعي لهم، مع تمكينهم من دورهم كمرشدين في بناء المواطنة الفاعلة والوعي النقدي لدى المتعلمين.
7. تعزيز التعليم الرقمي والابتكار التكنولوجي: تطوير منصات رقمية متكاملة، تشجع على التعلم التفاعلي، وتدعم إنتاج المعرفة، بما يضمن استمرار التعليم حتى في مناطق النزوح أو الحصار، ويعزز قدرة الطلاب على التفكير النقدي والمشاركة المجتمعية.
التوصيات الموجهة للمدارس وطواقمها الإدارية والتعليمية والطلبة
• توظيف بدائل تعليمية فعالة عند تعذر التعليم بالأساليب المعتادة، وتوفير "حقيبة تعليمية للطوارئ" لكل معلّم ومدرسة (مواد تعليمية وإرشادية).
• تعزيز العدالة التعليمية وحماية الفئات الأكثر هشاشة: تطوير برامج مخصصة للفتيات، ذوي الإعاقة، والأطفال في المناطق المهمشة، لضمان تكافؤ الفرص في التعلم، وتقليل فجوات النزوح والصدمات، مع التركيز على التعليم الشامل والمتعدد الأبعاد.
• رصد وتقييم مستمر وتطوير مستقبلي: أدوات تقييم دورية لقياس جودة التعليم، الوصول، والأثر النفسي والاجتماعي، مع دمج مؤشرات التعلم المستمر، المرونة، الإبداع، والاستدامة لتحويل التجارب الناجحة إلى نماذج قابلة للتوسع محلياً وإقليمياً.
• اللجوء إلى التعليم الاستدراكي في حالة انقطاع التعليم لفترات طويلة، وتوظيف البرامج التعويضية.
• الحصول على الدعم النفسي عند الحاجة والمشاركة في الأنشطة الصفية الداعمة، والمشاركة في شبكات تبادل الموارد ومجموعات الدعم النفسي، والتعاون مع المعلمين والأهل للحفاظ على روتين يومي للتعلم حتى أثناء الانقطاع.

التوصيات الموجهة لمؤسسات المجتمع المحلي والأهالي
1. تشكيل لجان محلية تساعد في تأمين أماكن بديلة، نقل الطلبة، توزيع مواد تعليمية، توفير مواد غذائية للطلبة في حالة الحصار داخل مدارسهم ومنعهم من مغادرتها لساعات طويلة.
2. تنظيم جلسات توجيهية سريعة وإعداد مواد توعوية مختلفة للأهالي تشرح كيف يمكن أن يساعدوا أبنائهم وبناتهم في التعلم خلال الانقطاع.
3. المناصرة المجتمعة من خلال توجيه رسائل مجتمعية تُعلي من قيمة الاستمرارية التعليمية وتحفز الحماية المحلية للمدارس والطلبة.
4. تفعيل المبادرات المجتمعية والأهلية: دعم المدارس الافتراضية، مدارس الخيم، والمراكز الثقافية كمراكز تعليمية بديلة، مع تعزيز دور المجتمع المحلي في صنع القرار ومتابعة تنفيذ البرامج لضمان العدالة والإنصاف في الوصول إلى التعليم.
5. الشراكات والتنسيق متعدد الأطراف: إنشاء أطر شراكة واضحة بين الدولة، المجتمع المدني، الائتلافات التربوية، والمنظمات الدولية على أسس حقوقية وفلسفية، مع آليات للمساءلة، لضمان الاستدامة وحماية السيادة التعليمية، ودمج المبادرات المحلية مع الخطط المستقبلية.

خاتمة
استمرارية التعليم في فلسطين تتطلب رؤية مشتركة تجمع الوزارة والمعلّمين والأهالي والمجتمع المدني والطلبة. النهج الفعّال يجمع بين مرونة منهجية، بناء قدرات محلية، دعم نفسي واجتماعي، وحماية فعلية للمدارس. بتطبيق حزمة التوصيات أعلاه، يمكن التقليل من الفاقد التعليمي وحماية حق الأجيال الفلسطينية في التعلم حتى في أصعب الظروف. يتطلب التنفيذ إرادة سياسية، تمويل مخصص، وتنسيق محلي قوي — خطوات قابلة للبدء فورًا وبنتائج ملموسة خلال أشهر إن تبنّتها الجهات المعنية.
• أبو عوض، نور الهدى (2025). التعليم تحت الحصار: جودة التعليم في مدارس غزة بين التحدي والإبداع. مقالة منشورة في تعليم جديد بتاريخ2025/09/16   .
• زيد، ثروت. (2025). التعليم في زمن النزاعات والأزمات كحق وممارسة صمود وفلسفة تحررية. مقالة منشورة بتاريخ 17 أكتوبر 2025. متاحة في: https://alquds.com/ar/posts/198556
• عفونة، سائدة. ( 2021). التعليم في ظلّ الأزمات. مقالة منشورة في منهجيات عدد (4) ربيع 2021. متاحة في: https://zt.ms/13Yu
• مصطفى، أسماء. (2025). أولوية التعافي في التعليم: روية مهنية لإعادة بناء النظام التربوي في غزة بعد الحرب. مقالة منشورة في منهجيات بتاريخ 12/11/2025. أولويّة التعافي في التعليم: رؤية مهنيّة لإعادة بناء النظام التربويّ في غزّة بعد الحرب | منهجيات - نحو تعليم معاصر.


"وطن"