تبدو الأشهر القادمة واحدة من أكثر الفترات حساسية في المشهدين الإسرائيلي والفلسطيني، بل وربما تمتد آثارها لتشمل الإقليم بأكمله. فالحكومة الإسرائيلية الحالية تدخل مرحلة العدّ التنازلي، إذ لم يتبقَّ أمامها سوى نحو ستة أشهر فقط قبل أن تُعلن البلاد عن انتخابات مبكرة، يُتوقع أن تُجرى في يونيو 2026 بدلًا من الموعد الأصلي في نوفمبر 2026.
تقديم الموعد الانتخابي في اسرائيل لا يأتي صدفة، بل يرتبط بمجموعة من الحسابات السياسية الدقيقة. أولها أن إجراء الانتخابات في موعدها المقرر بعد ذكرى السابع من أكتوبر يُعد مخاطرة كبيرة بالنسبة لحكومة نتنياهو، إذ ستستغل المعارضة الإسرائيلية الذكرى لتوجيه اتهاماتها للحكومة بالفشل في إدارة الحرب وتداعياتها. كما أن شهور الصيف والأعياد الدينية (يوليو، أغسطس، سبتمبر) تُعدّ فترات غير مناسبة انتخابيًا بسبب العطل الرسمية.
أما من الناحية الاقتصادية، فإن مناقشة الموازنة العامة في مارس 2026 تمثل تحديًا إضافيًا، حيث يُتوقع أن تتضمن الموازنة تخفيضات قاسية نتيجة التباطؤ الاقتصادي، وهو ما قد ينعكس سلبًا على صورة الحكومة في الشارع الإسرائيلي إذا ما أُجريت الانتخابات بعدها مباشرة. ولهذا، تشير التقديرات إلى أن حل الكنيست في فبراير 2026 والدعوة إلى انتخابات في مايو من العام نفسه هو السيناريو الأقرب والأقل ضررًا سياسيًا بالنسبة لنتنياهو.
لكن المعضلة الحقيقية تكمن في تراجع مكانة نتنياهو شعبياً، إذ تُظهر آخر استطلاعات الرأي أن أكثر من 51% من الإسرائيليين لا يرغبون في استمراره بالحكم. كما أن الحرب الأخيرة، التي حظيت في بدايتها بدعم شعبي بلغ 91%، لم تحقق الأهداف التي أعلنتها الحكومة، رغم الدعم الأمريكي اللامحدود من إدارة الرئيس ترامب والحزب الجمهوري.
النتيجة أن إسرائيل تجد نفسها اليوم أمام واقع مغاير؛ فبدلًا من تحقيق مكاسب استراتيجية، عمّقت الحرب الانقسام الداخلي وأضعفت الثقة بالقيادة السياسية. بل إن ثمة مؤشرات متزايدة داخل المجتمع الإسرائيلي تشير إلى تحوّل تدريجي في المزاج العام نحو إدراك محدودية الحل العسكري وأهمية البحث عن مخرج سياسي أو تسوية سلمية للصراع مع الفلسطينيين.
بكل المقاييس، تبدو المرحلة المقبلة مفصلية، ليس فقط في تحديد مستقبل الحكومة الإسرائيلية، بل أيضًا في إعادة رسم ملامح العلاقة بين الفلسطينيين والإسرائيليين في ظل بيئة إقليمية متوترة وتحولات داخلية غير مسبوقة.

