2026-03-07 01:02 م

الاعتداء على قادة الاسرى .. اغتيال بطيء معلن

2025-10-20

 

بالتزامن مع حرب الإبادة التي شنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أكثر من عامين، كانت هناك حرب إبادة صامتة على الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، لكنها لم تنته رغم الإعلان عن انتهاء الحرب في القطاع، حيث أمعن الاحتلال في تعذيب الأسرى بشكل عام واستهداف رموزهم وقادتهم بشكل خاص ومعلن.

وبات الاعتداء على قادة الأسرى ورموزهم، مثل مروان البرغوثي وإبراهيم حامد وناصر عويس وعباس السيد وأحمد سعدات وعبد الله البرغوثي وغيرهم من الرموز، نهجاً تتبعه إدارة السجون لإيصال رسائل داخل المعتقلات وخارجها إلى الفلسطينيين الذين يخشون أن تكون هذه الاعتداءات قصة اغتيال معلن لهؤلاء القادة بعد أن وصل عدد الأسرى الشهداء في سجون الاحتلال إلى 79 شهيداً منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان آخرهم الأسير محمود عبد الله "أبو الطلال"، الذي أُعلن عن استشهاده أمس الأحد.

وشهدت الأشهر الماضية اعتداءات متكررة على قيادات في كتائب القسام، الذراع العسكرية لحركة حماس، وهم: عباس السيد، وإبراهيم حامد، وعبد الله البرغوثي، حيث وثقت شهادات من الأسرى للاعتداء عليهم، وسط تحذيرات من اغتيالهم. ويعلن الاحتلال الإسرائيلي عن استهدافه قادة الأسرى ورموزهم، حيث بات الاعتداء على الأسير والقيادي الفتحاوي مروان البرغوثي، على سبيل المثال، حديث الجميع، بل وقامت إسرائيل ببث مقاطع لاقتحام وزير الأمن الإسرائيلي إيتمار بن غفير زنزانته في أغسطس/ آب الماضي، وتهديده.

لاحقاً، خرج الأسرى المبعدون إلى مصر ضمن صفقة التبادل الأخيرة بشهادات صادمة عن الاعتداء على البرغوثي، سواء في زنزاته أو خلال نقله من سجن إلى آخر، وسط مخاوف حقيقية على حياته بعد أن انخفض وزنه بشكل ملحوظ، ومعاناته من إصابات في شتى أنحاء جسده من الضرب والتنكيل.

ويقول عبد القادر بدوي، وهو باحث في الشأن الإسرائيلي وناشط في شؤون الأسرى، لـ"العربي الجديد": "هذا استهداف للشعب الفلسطيني لأن مروان البرغوثي أحد رموز الشعب الفلسطيني، وإسرائيل تسعى لقتل الأمل أو أي شخص يشكل أملاً للفلسطينيين، لأن كل فكرة إسرائيل قائمة على قتل الفلسطيني أو أن يعلن استسلامه، واستهداف مروان هو جزء من استهداف الأمل لما يشكله من حالة أمل كبيرة ورهان كبير عليه قائداً يستطيع إنهاء الانقسام الفلسطيني وتحقيق الوحدة وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي ومحاولة قطف ثمار سياسية لكل هذه التضحيات الكبيرة".

ويضيف بدوي الذي أمضى عدة سنوات معتقلاً مع البرغوثي: "إسرائيل تسعى لتطبيع الاعتداءات على الرموز ومنهم مروان، أي جعل هذه الاعتداءات تمر بشكل طبيعي مثل أي خبر، والتطبيع هنا هدفه قتل رموز الحركة الأسيرة عبر تكرار الاعتداء عليهم". ويعرب بدوي عن قلقه الكبير "من أن هناك محاولة لتصفية كل رموز الحركة الأسيرة بعد الصفقة والتخلص منهم على المدى البعيد والأمر ينطبق أيضاً على إبراهيم حامد وعباس السيد وأحمد سعدات، وكل قيادات الحركة الأسيرة، واستهداف مروان هو عنوان لهذا الاستهداف ورسالة بأنه لا توجد أي خطوط حمراء". ويقول بدوي: "يجب أن نسخّر جميع الأدوات المتاحة ونحشد الطاقات الشعبية ونتحدث مع الوسطاء العرب والإقليميين لوقف الاعتداءات على جميع الأسرى، لأنه للأسف اتفاق وقف الحرب لم يتضمن وقف عمليات التعذيب الممنهج في السجون الذي علت وتيرته منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023".

ويرى وزير هيئة شؤون الأسرى والمحررين السابق قدورة فارس، في تصريحات لـ"العربي الجديد"، أن الاعتداءات تشمل كل الأسرى، لكن هناك تركيز على رموز الأسرى وتحديداً مروان البرغوثي، وذلك لأن إسرائيل بالدرجة الأولى دولة إجرام، ولأنها تتصرف على قاعدة أنها لن تعاقب ولن تحاسب، وهذا بسبب عجز المنظومة القانونية الدولية، وإسرائيل تعتبر أن لديها ضوءاً أخضر لتقوم بما تقوم به، وصمت العالم في هذه الحالة يُفسَّر بأنه ضوء أخضر. ويقول فارس: "هناك هدف آخر وهو أن إسرائيل تريد أن تكسر روح الشعب الفلسطيني، وأن تضخ الإحباط واليأس في نفوسنا، فهؤلاء الرموز مصدر للأمل والعزيمة، وإسرائيل تريد أن تقول لنا إذا كان رموزكم يتعرضون لهذا التعذيب والقتل الممنهج وما من مغيث، فهذا معناه أن لا أمل لديكم بوصفكم شعباً، وهي تعمل على أن توصل إلى الشعب الفلسطيني أن المقاومة والعمل في مواجهة الاحتلال لن يقودا إلا إلى مزيد من القهر والمعاناة والعذاب".

وفي ما يتعلق بأن رموز الأسرى وقادتهم تجاوزوا ستين عاماً، وبات وضعهم أصعب جسدياً في مواجهة التعذيب ما يضع احتمال أن استشهادهم في الأسر أمر محتمل جداً، يعلق فارس: "الأسرى سواء كانوا في أعمار رموز الأسرى أي تجاوزوا عامهم الستين أو كانوا شباباً، فإن التجويع والاعتداءات الممنهجة وحالة التوتر التي يعيشونها على مدار الساعة، والأمراض الجلدية المنتشرة وغيرها من الأمراض المزمنة والخطيرة وسياسة الإهمال الطبي المتعمد، وعدم التواصل مع العالم الخارجي، كلها مجتمعة ستؤدي بشكل حتمي للاغتيال البطيء، وإسرائيل ليست لديها مشكلة في الاغتيال البطيء أو السريع، حيث قتلت بشكل سريع 79 أسيراً معروفة أسماؤهم خلال العامين الماضيين في المعتقلات، وبعضهم توفي بسبب الجوع وهناك من توفي بسبب التعذيب ونوع آخر بسبب الإهمال الطبي، وهذه الأسباب موثقة في تقارير التشريح".

ويعزو فارس تدهور أوضاع الأسرى إلى الحالة العربية البائسة التي لم تستطع أن تفرض على إسرائيل الإفراج عن الأسرى. ويقول فارس: "لم يستطع الوسطاء أن يضغطوا على إسرائيل للإفراج عن الأسرى القادة من جميع الفصائل، وعلى الأقل كان عليهم توفير مظلة حماية للمعتقلين، فلماذا توقف إطلاق النار في قطاع غزة ولم تتوقف الاعتداءات في السجون، ولماذا خلا الاتفاق من بند ملزم بتوقف التعذيب والتجويع والإهمال الطبي وأن تعود السجون إلى ما قبل السابع من أكتوبر 2023".

وترى مسؤولة الإعلام في نادي الأسير الفلسطيني أماني سراحنة، في حديث لـ"العربي الجديد"، أن الأسرى يعيشون زمناً مضاعفاً من التعذيب منذ حرب الإبادة، لا تمكن مقارنته بما قبل السابع من أكتوبر 2023. وتقول سراحنة: "هناك توحش مستمر ضد الأسرى، والشهادات التي استطعنا الحصول عليها من الأسرى الرموز وبقية الأسرى تفيد صراحة بأن عمليات التعذيب رافقتها تهديدات واضحة لعدد منهم بمحاولة تصفيتهم وعدم السماح بأن يخرجوا أحياء من الأسر".

وتضيف سراحنة: "المعطيات التي لدينا من الطواقم القانونية التي في زياراتها النادرة للأسرى حصلت على شهادات منهم بأن الاعتداءات فاقت مستوى الوصف والتّصور، حيث تتعمد قوات القمع الاستمرار بالضرّب حتّى خروج الدم من أجساد الأسرى، وتستخدم أنواع الأسلحة كافة لضربهم والتّنكيل بهم، من خلال الهراوات، والبساطير، إلى جانب الكلاب البوليسية المزودة بخوذة من حديد". وتؤكد سراحنة أن"غالبية الأسرى، وتحديداً قادتهم، يعانون من إصابات ورضوض وجروح إلى جانب معاناتهم على مدار الساعة من آلام وأوجاع في أجسادهم، الأمر الذي يحرمهم حتّى من قدرتهم على النوم وممارسة حياتهم من مشي وأي نشاط آخر".

وتأتي كل تلك الجرائم بحق الأسرى، وما يعلن عنه من شهداء، في ظل تعتيم كبير على ما يجري بحق أسرى قطاع غزة وما يتعرضون له من اعتداءات مضاعفة، وإخفاء قسري بحق الكثيرين، بل ما زال مصير عدد كبير مجهولاً.
عن "العربي الجديد"