2026-03-07 04:12 م

مآل السلطة الفلسطينية وقضية فلسطين بعد حرب الإبادة

2025-10-12

كتب انطوان شلحت
إذا ما حاولنا تأطير الوقائع الإسرائيلية المستجدّة والمرتبطة بالسلطة الفلسطينية، وقضية فلسطين عامةً، والمتأثرة بالأساس بتداعيات حرب الإبادة المستمرة على قطاع غزّة منذ عامين، والتّي ينبغي اعتبارها استمرارًا لما قبل الحرب، يمكن أن نستنتج بأنّ التوجّه المركزي الآخذ بالتعزّز، حتّى بحسب ما تؤكّده دراسة مُحدثة صادرة عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، هو "الانزلاق المتواصل والمتسارع، أكثر فأكثر، نحو واقع الدولة الواحدة، التي ستكون متسمة بالهيمنة اليهودية" من جهة، وازدياد مصاعب التوصل إلى "تسوية سياسية تقوم على الانفصال السياسي والجغرافي والديمغرافي بين الجانبين" من جهة أخرى.

يعزّز هذا الاستنتاج مجموعة من السيرورات المركزية الجارية في إسرائيل (وفي قراءة موازية تجري أيضًا في الساحة الفلسطينية، وتتمثّل بالأساس في هذه الساحة بتراجع فكرة التسوية القائمة على مبدأ "حلّ الدولتين"). والتي يمكن إجماله في ما يلي:

أولًا، تعزز التقدير الإسرائيلي بأنّ دولةً فلسطينيةً مستقلةً في الضفّة الغربية ستكون كيانًا "إرهابيًا"، على غرار ما كان قطاع غزّة تحت حُكم حركة حماس.

ثانيًا، تواتر الضمّ الزاحف من طرف إسرائيل إلى المنطقة "ج" في الضفّة الغربية، التي تمثّل 60% من أراضي هذه المنطقة، وتوسيع المستوطنات فيها، ما من شأنه أن يؤدي إلى تكوين واقع الدولة الواحدة. وهذا التشخيص يدعم تقديرات تشير إلى أن زمن نموذج الدولتين لم يعد ذا صلة بالواقع. ولا بُدّ من الإشارة هنا إلى أنه عقب "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ازدادت المطالبة بضمّ الضفّة الغربية إلى إسرائيل، وكذلك قطاع غزّة.

ثالثًا، يمكن أن ننبّه إلى أنّ أبرز الادعاءات التي تعزّزت داخل المجتمع الإسرائيلي بعد "طوفان الأقصى"، ويمكن أن تؤثر في توجهاته هي: أنه ليس هناك أي احتمال للدفع قدمًا بالتسوية مع الفلسطينيين، والمطروح هو العيش مع الصراع إلى الأبد، واعتبار اّتفاق أوسلو سبب "الإرهاب"، كما أنّ السلطة الفلسطينية تدعم "الإرهاب"، وهي لا تختلف في جوهرها عن سلطة حماس، لذلك حان الوقت لإسقاطها.

بالعودة إلى دراسة "معهد أبحاث الأمن القومي"، أكّدت الدراسة أنّ الحكومة الإسرائيلية الحالية تعمل، قبل "طوفان الأقصى" أكثر فأكثر منذ ذلك الوقت، على توسيع المستوطنات، ومضاعفة عدد المستوطنين الإسرائيليين الذين يعيشون في الضفّة الغربية، ودفع الفلسطينيين إلى خارج المنطقة "ج"، وتسريع انهيار السلطة الفلسطينية، التي تضعف مع تقويض دورها جهةً شريكةً لإسرائيل في مفاوضات تؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

بموجب ما ورد في هذه الدراسة حرفيًا: نشأ في الضفّة الغربية نظام حياة مختلط معقّد بين المستوطنين الإسرائيليين والفلسطينيين، يتسم بمستوى مضاعف من الاحتكاك، ومن ثم يصعب، بل يستحيل أيضًا، رسم مخطط للحلّ والفصل. وبكلمات أُخرى، تقود الحكومة الإسرائيلية ثورةً في طريقة إخضاع أراضي الضفّة، هدفها تثبيت سيطرة إسرائيل على الأراضي على نحو يصل إلى نقطة اللا عودة، وإفشال أي إمكانية لتسوية سياسية، جغرافيةً مع كيان فلسطيني، يكون في جوهرها الانفصال بين إسرائيل وبين هذا الكيان.

ومع أن التسويغ الإسرائيلي الشائع لهذه الوقائع يتم من خلال التركيز على ما استلزمته عملية "طوفان الأقصى"، لكن خلفيتها السياسية سبقت هذه العملية، وبدأت تلوح مع بداية عهد الحكومة الإسرائيلية الحالية في أواخر عام 2022. فوفقًا للمعطيات العينية فقط، تشهد الضفّة الغربية منذ نهاية 2022 أكبر حركة استيطان إسرائيلية فيها منذ بدايات الاستيطان عام 1974. وهو ما تثبته الوقائع التالية: اعتراف الحكومة الإسرائيلية بعشرات البؤر الاستيطانية التي حصلت على مكانة مستوطنات جديدة؛ إقامة عشرات المزارع والتلال التي تُستخدم للرعي والزراعة، وتمتد على مساحة مئات الآلاف من الدونمات؛ حركة بناء لعشرات آلاف الوحدات السكنية في مستوطنات الضفّة الغربية، شق آلاف الكيلومترات من الطرقات الجديدة والتحويلات وساحات المرور والإشارات وتغيير جذري في المواصلات، مضاعفة "كتائب الدفاع" واتخاذ إجراءات تحسّن الاستجابة العملانية لعمليات دفاعية في المنطقة كلّها، إخلاء آلاف الخيام البدوية وطرد سكانها، بمساعدة مجموعات "شبان التلال"، شنّ سلسلة عمليات هجومية في مدن الضفّة الغربية؛ ما توصف بأنّها "ثورة العمل العبري" في المستوطنات، التي آلت إلى منع دخول عمال فلسطينيين إلى المستوطنات، واستبدالهم بعمال يهود أو أجانب. ومثلما يؤكّد قادة المستوطنين أنفسهم، بهذه الإجراءات "بدأت ثورة استيطانية جديدة"، ستؤدي بسرعة إلى تحقيق "رؤيا أرض إسرائيل الكاملة".

تمثّلت ذروة الاستيطان في مصادقة الحكومة الإسرائيلية في 2025/8/19 مصادقةً نهائيةً، على خطط البناء في منطقة "E1"، والتي تشمل بناء 3401 وحدة سكنية، ومن المتوقع أن تكون لها تداعيات واسعة على كلّ ما يتعلّق بحلّ الدولتين، نظرًا إلى فصلها شمال الضفّة الغربية عن جنوبها. وهي خطط جُمدت أعوامًا طويلةً بسبب ضغوط دولية، بما في ذلك من جانب الولايات المتّحدة، كونها تهدف إلى تمزيق أوصال الضفّة الغربية، وتمنع الترابط السيادي والعمراني الفلسطيني بين شمال الضفّة وجنوبها. تسعى إسرائيل من خلال تنفيذ هذه الخطط إلى إيجاد تواصل بين غرب القدس وشرقها (مستوطنة معاليه أدوميم ومداخل البحر الميت)، على اعتباره جزءًا من "حزام أمني استيطاني يهودي حول القدس"، يمنع إمكان قيام حزام عمراني فلسطيني يطوّق القدس من الجهة الشرقية، ويحول دون عودة القدس إلى مكانة "مدينة أطراف" (أي الوضع الذي كانت عليه عشية حرب يونيو/حزيران 1967)، بطريقة تحدّ من إمكان تطّور المدينة وتمدّدها شرقًا. كما تسعى إسرائيل، من خلال الخطط ذاتها، إلى تأمين طريق القدس- أريحا الرئيسي من أيّ تهديدات، أو توسعات ديمغرافية فلسطينية، فهذا الطريق تعزو إليه إسرائيل أهمّيةً أمنيةً عسكريةً استراتيجيةً من الدرجة الأولى في حال اندلاع حرب، أو في حال إحياء الجبهة الشرقية مجدّدًا.

في أول ردّ فعل على القرار، علّق وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش قائلًا: "إن الدولة الفلسطينية تُمحى ليس بالشعارات، بل بالأفعال". وحثّ، في بيان وزعه على وسائل الإعلام، رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو على "استكمال الخطوة وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة" على الضفّة الغربية. رغم تغليف القرار بمصطلحات استراتيجية مُشتقة من تواتر الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية في الآونة الأخيرة، ومن الدروس التي ينبغي استخلاصها من "طوفان الأقصى"، لكن لا يمكن التغاضي عن أنّه منذ إقامة الحكومة الإسرائيلية الحالية يكرّر سموتريتش وجميع أقطاب تيّار "الصهيونية الدينيّة" أنّه نشأت فرصة تاريخية لتغيير الطابع الجوهري للضفّة الغربية عبر تعزيز الاستيطان، لذا يجب أن يكون الهدف الأساسي للحكومة الإسرائيلية الوصول إلى "نقطة اللا عودة"، بحيث لا يمكن لأي حكومة مستقبلية؛ حتّى لو سقط اليمين الحاكم حاليًا، تنفيذ أيّ فصل بين الشعبين. ويبدو أن موقف حزب الليكود لا يختلف كثيرًا عن هذه المقاربة، وقد تعزّز أكثر فأكثر في إثر الحرب على قطاع غزّة.

بحسب ما تؤكّد مصادر إسرائيلية، فإنّ هذه الوقائع الجديدة الآخذة بالتشكّل في الضفّة الغربية في الفترة الأخيرة قائمة على افتراضَيْن: الأول أن واشنطن ستقف دائمًا إلى جانب إسرائيل، حتّى في حال الإقدام على خطوات ضمّ في الضفّة وقطاع غزّة، لذا لا غضاضة في أن تضرّ إسرائيل بعلاقاتها مع دول غربية أساسية، وفي ألا تأخذ بالحسبان تقلّبات عهد الرئيس دونالد ترامب، أو احتمال أن ينتهج رؤساء أميركيون مقبلون سياسةً مختلفةً تمامًا. الافتراض الثاني؛ أنّه لا حاجة إلى أخذ الرأي العام الدولي في الاعتبار حيال تحقيق رؤيا "أرض إسرائيل الكاملة"، فضلًا عن استخدام عبارات توراتية بهذا الشأن. لكن الأخطر من هذا كلّه هو المُضي بسرعة نحو ما يوصف بأنه "واقع الدولة الواحدة"، وهو هدف مركزي في "خطة الحسم" التي نشرها سموتريتش في عام 2017 وروَّج فيها ضرورةَ حسم الصراع لصالح الرؤيا الإسرائيلية حيال "أرض إسرائيل الكاملة".

في مستجد الموقف الإسرائيلي من السلطة الفلسطينية
في ما يخصّ الموقف الإسرائيلي من السلطة الفلسطينية، بالوسع الإشارة إلى أن آخر التقديرات الإسرائيلية تعتبر أن هذه السلطة تعيش حالةً من التدهور والتراجع الشديدَين، وهذه الحالة ناجمة عن أسباب عدّة، أبرزها وجود مشكلات اقتصادية خطِرة، وتراجُع في شعبيتها في الشارع الفلسطيني، والصراعات على خلافة رئيسها الحالي. وأكثر ما يهم إسرائيل أن حالة التراجع هذه يمكن أن تسبِّب ما يوصف بأنّه "تضاؤل مساهمتها" في "كبح الإرهاب".

وبحسب ما نُقل في أكثر من وسيلة إعلام إسرائيلية، حذّرت جهات أمنية إسرائيلية رفيعة المستوى في الفترة الأخيرة من أن السلطة الفلسطينية تمرّ بعمليات تفكُّك، مع خطر حقيقي يهدد بقاءها، وخلصت إلى نتيجة مؤداها أنه من المرجح جدًا في المستقبل القريب أكثر مما كنا نعتقد، ستتوقف السلطة الفلسطينية بصيغتها الحالية عن أن تمثّل عاملًا مؤثرًا في إحباط "الإرهاب" ضدّ إسرائيل.

ما يبرز حتّى الآن في ضوء توقع هذه النتيجة هو ما يلي:

أولًا، هذا الموقف من السلطة الفلسطينية بوصفها "جهة عاجزة عن إحباط الإرهاب" ميّز إسرائيل قبل الحرب على قطاع غزّة، وبالأساس وفي ضوء تصاعد المقاومة في شمال الضفّة الغربية، ولا سيّما في مخيّمات اللاجئين، وهو تصاعد ارتبط بظاهرة الكتائب المحلية في تلك المناطق.

ثانيًا، ازدادت إلى حدّ كبير العمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفّة الغربية، وأمست تشمل كلّ المناطق. وبحسب الادعاءات الإسرائيلية الرسمية، أحبطت قوات الأمن الإسرائيلية المؤلفة من عناصر أجهزة الشاباك (الأمن العام) والجيش والشرطة أكثر من 1000 هجوم كبير منذ بداية عام 2025 الحالي، وهو عدد يساوي مجموع عمليات الإحباط لعام 2024 بكامله.

ثالثًا، ثمّة تركيز على نقطة تعتبرها معظم القراءات الإسرائيلية جوهرية، هي "أهمّية القضاء على حماس"، لما يعنيه ذلك من أمر حاسم في ما يخص حاضر المعركة في الضفّة الغربية ومستقبلها.

رابعًا، يصعب العثور على مقاربة إسرائيلية تتطرّق إلى جوهر التوجهات الإسرائيلية حيال احتمال تفكّك السلطة الفلسطينية، وفقًا لما تؤكّده التقديرات الإسرائيلية المُشار إليها أعلاه، وما يجري التنييه إليه أكثر شيء أن إسرائيل ما زالت غير جاهزة لمثل هذا السيناريو.

عن "العربي الجديد"