تتصدر المملكة العربية السعودية المشهد السياسي في المنطقة، مؤكدة الدور الريادي الذي تلعبه على اكثر من صعيد، وباتت الرقم المركزي المتجذر في الاقليم، بفعل قيادتها الحكيمة، التي تواصل نجاحاتها في الداخل والخارج، في دور طليعي ومتميز، وباتت قبلة أنظار العديد من الشعوب، وفي مقدمتها الأمة العربية، وأثبتت المملكة صدقيتها وحرصها وأنها المؤتمنة على قضايا الأمة.
تشهد المملكة في الداخل تطورا وتقدما في كل الميادين وجوانب الحياة المختلفة، باعتراف العديد من الجهات الاقليمية والدولية، وباتت في مصاف الكبار، مما يعزز دورها القيادي، ومع انطلاق رؤية السعودية 2030 والتحولات الاستراتيجية في سياستها الخارجية تمكنت المملكة من اعادة تشكيل موقعها كلاعب رئيس في الساحتين الاقليمية والدولية واستطاعت توسيع الشراكات الاقتصادية مع القوى العالمية في سبيل دعم استقرار المنطقة، وأثبتت دبلوماسيتها قدرة على ادارة الملفات الشائكة والتأثير في صياغة مستقبل الاقليم، وتحقيق التوازن بين القوى الكبرى من دون المساس بمصالحها الأساسية، وأصبحت الرياض الآن في وضع يمكنها من تشكيل الاتجاهات الاقليمية والعالمية في اعقاب التحولات الجيوسياسية.
الدور الريـادي ومواجهة التحديـات والمتغيـرات
وفي خضم المتغيرات المتسارعة والمتلاحقة يشهد الشرق الاوسط تحولات عميقة لم تعد مفاهيم الاستقرار والقوة مرهونة فقط بالعسكرة او بالتحالفات التقليدية او بتوازنات الحرب والسلم، فالاقليم يتغير ليس فقط في تضاريسه السياسية بل في ملامحه الحضارية وشروطه الجيوسياسية وعلاقته بالعالم الخارجي، حيث تتشكل روح الشرق الاوسط تحت وطأة التحديات ومن خلال الفرص متجها الى مركز جديد للقيادة الفكرية والعملية وعلى وجه الخصوص المملكة العربية السعودية.
ان سياسة الحياد التي تتبعها المملكة العربية السعودية عززت مكانتها كوسيط مقبول لدى جميع الاطراف، وساهمت هذه السياسة في حماية النهوض الذي نلمسه في شتى الميادين داخل المملكة.
ان سعي السعودية الى موازنة علاقاتها مع الدول الكبرى جعلها الخيار الامثل لهذه الدول في تنمية علاقاتها مع المملكة التي تحتفظ بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، مع تطوير للعلاقات مع روسيا بصورة كبيرة من خلال تحالف اوبيك والزيارات المتبادلة بين القادة، كما تنامت علاقاتها مع الصين وباتت الشريك التجاري الأول وما رأيناه مؤخرا عندما توصلت الرياض الى معاهدة للدفاع المشترك مع الباكستان، اضافة الى استعادة دورها في اكثر من ساحة، وبشكل خاص داخل العالم العربي.
الدور السعودي والصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي
المملكة العربية السعودية المتعاظمة دورا وتاثيرا وحكمة لم تغفل قضايا الامة العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، فهي لم توقف اسنادها للشعب الفلسطيني، ولأنها تلعب دورا كبيرا في تحقيق الاستقرار الاقليمي ونجاحها في لعب دور دبلوماسي أكبر ومؤثر لحل المشكلات المزمنة في الشرق الأوسط وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ومن هنا نجحت المملكة في توظيف علاقاتها مع الدول الكبرى للمساهمة في حل المشكلة الفلسطينية، فكانت الرياض على رأس القوى والأكثر تفاعلا لصون الامن القومي العربي في فلسطين وغيرها من الساحات العربية. ومن هنا، المملكة في تحد كبير لتثبيت قواعد جديدة بالتنسيق مع حلفائها الاقليميين والدوليين لصالح استقرار المنطقة وأمنها الضروري لخططها التنموية ورؤيتها المستقبلية لشرق اوسط آمن وفي سلام واستقرار وازدهار دائم، ولم تتخل السعودية عن دعم القضية الفلسطينية كأولوية مركزية في سياستها الخارجية، ونجحت في حرف الرياح الى غير وجهة السفن الاسرائيلية.
البحث عن حل نهائي مشرف
ومنذ بداية الحرب الاسرائيلية الأخيرة عملت المملكة العربية السعودية مع دول اللجنة الوزارية العربية الاسلامية على تهيئة أرض خصبة لنزع فتيل الازمة من جذورها من خلال ايجاد حل نهائي لدائرة العنف المستمرة منذ عقود، وأن هذا لن يتحقق الا بقيام دولة فلسطين على حدودها المقررة بموجب القرارات الأممية، وهذا ما تؤكده جهود المملكة بقيادة الملك سلمان وولي عهده في الالتزام الفرنسي التاريخي بالاعتراف بدولة فلسطين.
وعملت السعودية على حث دول العالم على الاعتراف بدولة فلسطين وتتحرك المملكة بخطوات متسارعة على الساحة الدولية لدفع العالم نحو الاعتراف بهذه الدولة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ففي أيلول من العام 2024 أعلنت السعودية بالتعاون مع النرويج عن تأسيس التحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين ونظمت أول اجتماعين لهذا التحالف في العاصمة الرياض، وفي كانون أول 2024 أكدت 167 دولة على أن حل الدولتين هو السبيل الأمثل لمعالجة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، وفي نهاية تموز 2025 قادت السعودية المؤتمر الدولي لتسوية قضية فلسطين بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين في نيويورك، وقد أسفر المؤتمر عن تبني ما يعرف باعلان نيويورك ورسم الاعلان مسارا تدريجيا نحو حل الدولتين، ووصفت دوائر عديدة هذا التحرك السعودي بالانجاز الدبلوماسي البارع الذي يحمل فرصة حقيقية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط.
رفض حرب الادبادة والتهجير
ولم تتأخر الرياض في رفض كل المقترحات التي طرحت لتهجير أكثر من مليوني فلسطيني من غزة وتحويل القطاع الى "ريفيرا جديدة"، ودعت الرياض قادة الدول العربية الى قمة مصغرة على أرض المملكة لمناقشة سبل وقف الحرب، ودعا المجتمعون الى أن تقود الرياض ما تم الاتفاق عليه، ويذكر أن المملكة السعودية شاركت في العديد من المؤتمرات والاجتماعات الخاصة بحل القضية الفلسطينية ابتداء من مؤتمر مدريد ومبادرة السلام العربية، الى مؤتمر حل الدولتين وما زالت تواصل الجهود وصولا الى حل الصراع وحماية حقوق الفلسطينيين.
مؤتمر حل الدولتين والاعتراف بدولة فلسطين
منذ العام الماضي وتواصلا لدورها في دعم الشعب الفلسطيني سعت الرياض لجعل الدول الاوروبية تعترف بدولة فلسطين لجمع أكبر قدر ممكن من الدول المؤيدة لحل الدولتين، ونجحت مساعيها المباركة وتوالت الاعترافات بدولة فلسطين بفعل الرئاسة المشتركة السعودية الفرنسية، وكانت الرياض قد اتجهت لأحد أهم حلفائها فرنسا لمشاركتها هذه الجهود التي تكللت بالنجاح بعقد مؤتمر حل الدولتين في نيويورك لكسب المزيد من الاعترافات للدولة الفلسطينية، هذا المؤتمر الذي يأتي استكمالا لمؤتمر حل الدولتين الذي عقد في نيويورك على مستوى وزراء الخارجية.
ان المحور التي طرحها مؤتمر السلام هي ضمان تلبية استحقاقات الدولة الفلسطينية المشروعة على اراضي العام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وتعكس الجهود الناجحة للسعودية تحولا واضحا نجحت من خلاله المملكة في حشد المجتمع الدولي لتبني نهجا أكثر جدية نحو مقاربة عملية بديلة عن الجمود السياسي.
ان مؤتمر نيويورك حول حل الدولتين والاعتراف بالدولة الفلسطينية على مستوى القادة والزعماء بشراكة سعودية فرنسية وما نتج عنه، من اعترافات بدولة فلسطين انجاز كبير ومهم لما يحمله من دلالات سياسية وقانونية، وهذا ما يفسر الغضب والانتقاد الاسرائيلي.

