منذ اللحظة الأولى التي اعترفت بها الإدارة الأمريكية بإجرائها لقاءات سرية مع حركة “حماس”، حتى بدأ الهجوم العنيف من قبل حركة “فتح” والسلطة الفلسطينية في رام الله، على “حماس” ووصل لحد اتهامها علنًا بـ”الخيانة والخروج عن الصف الوطني والعربي”.
الهجوم على “حماس” بسبب اعترافات إدارة ترامب، فتح معه حالة جديدة من الجدل على الساحة الفلسطينية، وأثار الكثير من التساؤلات حول أسبابه ودوافعه الخفية، في ظل ما تتعرض له القضية الفلسطينية من مخططات تصفية وتهجير وسرقة للحقوق الوطنية.
اعترافات إدارة ترامب بإجراء لقاءات مع “حماس” بعثر كافة الأوراق السياسية، ودق ناقوس الخطر بالنسبة للسلطة الفلسطينية و”فتح” اللتان تكافحان على تمثيل “حصري” للقضية الفلسطينية في المحافل العربية والدولية، وقد تكون تلك اللقاءات باب قلق بالنسبة لها، وبداية لظهور واقع جديد قد يُفضي إلى إعادة صياغة التمثيل الفلسطيني، بعيدًا عن الهيمنة المطلقة التي احتكرتهما السلطة و”فتح” لعقود.
وفي تفاصيل اللقاءات، كشف تقرير لوكالة “رويترز” أن الولايات المتحدة خرجت عن نهجها الدبلوماسي التقليدي وأجرت محادثات سرية مباشرة مع حركة حماس، بهدف تأمين إطلاق سراح الأسرى الأمريكيين المحتجزين في قطاع غزة.
وعلى الرغم من أن السياسة الأمريكية منذ عقود تمنع التواصل مع كيانات تصنّفها واشنطن “إرهابية”، أكد البيت الأبيض أن المبعوث الأمريكي لشؤون الأسرى، آدم بوهلر، يمتلك الصلاحيات الكاملة للتفاوض مباشرة مع حماس. ووفق المصادر، عُقدت اللقاءات في الدوحة خلال الأسابيع الأخيرة.
وأقر طاهر النونو، المستشار الإعلامي لرئيس المكتب السياسي لحماس، بهذه المحادثات، مشيرًا إلى أن اللقاءات استمرت حتى انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق غزة، وأشاد بدور المبعوث الأمريكي في المفاوضات.
وشنت رئاسة السلطة الفلسطينية وحركة “فتح” هجومًا لاذعًا على “حماس”، عقب اللقاءات المباشرة التي جرت بين المبعوث الأمريكي لشؤون الأسرى، آدم بوهلر، والوفد المفاوض من “حماس”.
هذا التصعيد لم يكن مجرد انتقاد عابر، بل جاء ضمن خطاب حاد وممنهج يعكس مخاوف السلطة العميقة من فقدان احتكارها للتمثيل الرسمي أمام المجتمع الدولي، خاصة بعد أن بدا واضحًا أن الإدارة الأمريكية نفسها لم تتبرأ من هذه اللقاءات، بل أكدت حدوثها بشكل مباشر.
وكثفت “فتح “ورئاسة السلطة هجومهما على “حماس” عقب اللقاءات التي جمعت المبعوث الأمريكي لشؤون الأسرى بوفد الحركة، معتبرتين أن هذه المفاوضات تشتيت للموقف الوطني وتجاوز للشرعية الفلسطينية.
وركز الناطق باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة، على أن هذه الاتصالات تُجرّم قانونيًا، معتبرًا أنها محاولة للالتفاف على الإجماع العربي الذي برز في القمة العربية بالقاهرة، لا سيما بشأن خطة إعادة إعمار غزة والتصدي لمخططات التهجير، كما دعا حماس إلى “الرشد الوطني”، عبر إنهاء الانقسام وتسليم القطاع للسلطة وفق مبدأ “سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد”.
أما بيان مفوضية الإعلام والثقافة في حركة “فتح”، فذهب أبعد، متهمًا حماس بتقديم “تنازلات غير وطنية” في المفاوضات، متماهيًا مع خطاب الاحتلال الذي يحمل المقاومة مسؤولية الدمار في غزة، كما هاجم البيان انتقادات حماس للسلطة، معتبرًا أنها محاولة للتغطية على مفاوضاتها “غير المخولة” مع جهات أجنبية، والتي تُقدّم فيها تنازلات “تمس حقوق الشعب الفلسطيني وثوابته”.
وفي تصعيد غير مسبوق، وصفت فتح قيادات حماس بـ”ثلة الهاربين” المتورطين في دماء الفلسطينيين، متهمة إياهم بالتساوق مع الاحتلال وتقديم مبررات لحرب الإبادة في الضفة الغربية.
كما اعتبرت أن “حماس” تسعى للحفاظ على سلطتها في غزة عبر إعادة التموضع السياسي، دون اكتراث بمصير الشعب الفلسطيني المحاصر والمهدد بالتهجير.
وأكدت فتح أن منظمة التحرير هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، متهمة حماس بخدمة أجندات خارجية، لا سيما إيران، ومحذرة من أي تنازلات تمس الحقوق الوطنية الفلسطينية.
الكاتب والباحث السياسي ماجد أبو دياك، حاول تفسير حالة “الغضب والاستياء” للسلطة وحركة “فتح” بسبب لقاءات “حماس” مع إدارة ترامب، وأكد أن التصريحات التي أدلت بها الرئاسة حول اتصالات “حماس” مع جهات أجنبية، تشتيتًا للموقف الفلسطيني، وقال أبو دياك، في تصريح له: “أصبح البحث عن مصلحة الشعب الفلسطيني والتفاوض مع أميركا من موقع القوة مرفوضًا، بينما التعاون الأمني مع الاحتلال لملاحقة وقتل المقاومين يُعتبر موقفًا وطنيًا”.
وأضاف: “القصة وما فيها أنهم خائفون على دورهم بعد أن أهرقوا ماء وجههم في التزلف لترامب وللاحتلال، عبر ممارسة دور أمني قذر في مخيم جنين، وصل إلى حد قتل المقاومين”، متابعًا “النتيجة أن الاحتلال لا يزال يرفض أي دور لهم في غزة”، مشيرًا إلى أنه “بدلاً من أن يتعلموا دروس الشرف والكرامة من حماس، التي جاء إليها الأمريكيون ولم تذهب إليهم، فإنهم يعيبون عليها ما قامت به دون أن تقدم أي تنازلات للعدو”. وأردف قائلًا: “اللي استحوا ماتوا”، معبرًا عن استهجانه للمواقف الرسمية الفلسطينية التي تتناقض مع المصالح الوطنية الحقيقية، في هذه الظروف العصيبة.
وفي ذات السياق، قال الخبير السياسي المصري مراد علي، إن انزعاج الرئاسة الفلسطينية من تواصل “حماس” مع الولايات المتحدة يعكس مصالح شخصية للنظام القائم في رام الله، مؤكدًا أن هذا التوتر لم يظهر عندما استقبلت حماس وفودًا مختلفة في غزة أو عندما أجرت مفاوضات مع الاحتلال الإسرائيلي طوال السنوات الماضية.
وأضاف علي، “الرئاسة الفلسطينية لم تُبدِ أي اعتراض على اتصالات حماس مع دول ورؤساء العالم، بل كانت التفاهمات مع إسرائيل طوال السنوات الماضية موضوعًا مقبولًا، لكن مع بداية حماس للتواصل مع الولايات المتحدة، ظهر الانزعاج بشكل واضح، واتهمتها الرئاسة بـ”التخابر”.
وأشار إلى أن السبب الحقيقي وراء هذا الانزعاج هو أن هذه الاتصالات قد تؤدي، على المدى المتوسط أو البعيد، إلى تحقيق حماس تفاهمات مع الولايات المتحدة، “وهو ما قد يهدد المناصب والمكاسب السياسية التي يتمتع بها الرئيس محمود عباس ومن يحيطون به”، لافتًا إلى أن “هذه الخطوة تشكّل تهديدًا لمصالحهم الشخصية، وليس بالضرورة تهديدًا حقيقيًا للقضية الفلسطينية”.
وأوضح الخبير السياسي أن هذا التوتر يعكس رغبة السلطة في الحفاظ على نفوذها السياسي، واصفًا المواقف الرسمية بأنها “تعكس انشغال القادة في رام الله بالمصالح الشخصية، بدلًا من التركيز على مصلحة الشعب الفلسطيني”.
وأمام هذا التطور.. هل سيكون لحماس دور جديد؟ وهل سيُسحب بساط “النفوذ” من “فتح” والسلطة؟ وهل هو بداية الخروج في ظل أزمة الشرعية؟
عن رأي اليوم
سر غضب السلطة وحركة “فتح” من لقاءات “حماس” مع أمريكا..
2025-03-13