2026-03-15 12:06 ص

الأزمة السورية: تشعّب بدل الانحسار

2012-12-22
لم تلح حتى الآن أية إشارات على قرب انتهاء الأزمة السورية في ظل التصعيد المستمر ميدانيا هناك، أو في المنطقة من خلال ما أشاعه نشر صواريخ "الباتريوت" على الحدود التركية – السورية على خلفية أزمتها ادعاءً من قبل ناشرها، فيما الواضح أن الأزمة ستطول بعدما صرح غير طرف حول هذا الأمر بانتظار تسوية ما، قد يصار إلى وضعها على الطاولة بين روسيا والولايات المتحدة، علماً أن ذلك ليس بالسهولة المتوقعة نظراً لتناقض المصالح واختلاف الرؤى حول العديد من القضايا وفي مقدمتها الأزمة السورية وما نتج عنها من تهديدات طالت الأمن القومي الروسي ما دفع بهذا الجانب إلى اتخاذ المزيد من حيطته وحذره.

يأتي ذلك بعد توقعات دبلوماسية مستندة إلى رأي أميركي، قائل بأن أزمة سورية لن تطول إلى أبعد من رأس السنة المقبلة، لاعتبارات أهمها أن قدرة الأميركيين على المتابعة في هذا الملف محدودة في ظل التعقيدات الكثيرة التي تحيط به، وما يمكن أن ينتج عنه من أزمات قد تصل إلى حد إغراق المنطقة بالفوضى والحروب من دون القدرة على ضبطها أو التحكم بمساراتها، ما يفقد الإدارة الأميركية الكثير من الأرصدة التي تسعى للحفاظ عليها، وفي طليعتها مصالح «إسرائيل» الإستراتيجية في الأمن والاستقرار، وتأثير ذلك على وضعها الاقتصادي، وهي التي لن تكون بمنأى تحديداً عن أي تدهور أمني أو عسكري في المنطقة.

لكن هذه التوقعات سقطت بعدما تعقّد الموقف إثر ما اعتبر مؤشراً على تبدّله على الأرض في سورية، وسريان «شائعات» تولت تسويقها لدى الأميركيين جهات أوروبية عن «قدرة» الجماعات المسلحة على تسجيل تقدم عسكري على قوات الجيش السوري، لا سيما خلال معركة دمشق التي ما زالت مستمرة حيث تركزت المواجهات فيها وفي محيطها، فيما تراجعت في باقي المدن الرئيسية مثل حلب وإدلب وانتهائها نسبياً في حمص، وما رافق ذلك من التباس شابَ الموقف الروسي بعد الكلام الذي نقل عن نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف والذي تم نفيه لاحقاً وبشدة، ما دفع بالأميركيين إلى إعطاء ما اعتبروه مهلة إضافية للجماعات المسلحة لحسم الموقف ميدانياً، لما لذلك من تداعيات تصيب موقف الطرف الآخر في العمق، وسعياً وراء «سيناريو» يعيد الاعتبارات لمفهوم «الثورة» بعدما فقدته عبر طرق الإجرام التي اتبعتها تلك الجماعات، بحيث تجاوزت كل الأخلاقيات والمعايير التي تسمح بالتعاطي معها مستقبلاً على أساس دولي ودبلوماسي.

غير أن التبدل الذي طرأ على أجندة الأميركيين، واجهه أخصامها بالتأكيد على أن الموقف الروسي دولياً لم يتبدل، بل هو تطور باتجاه اعتبار أن نشر صواريخ "الباتريوت" يضر بالأمن الاستراتيجي لروسيا، وهو أيضاً ما تبنته إيران في آخر إعلان لها حول هذا الموضوع وذهبت إلى أبعد من ذلك عندما اعتبرته يؤسس لحرب عالمية ثالثة.

يضاف إلى ذلك أن الإعلانات توالت من قبل حلفاء سورية، الروس، والصينيين، والإيرانيين، من أن الرهان على تبدل الموقف على الأرض في سورية، وتحديداً من خلال توقع الحسم في دمشق ليس إلا وهماً تعيشه الأطراف، وهو تمنيات يحاول التحالف العربي – الغربي ترويجها لمنح الجماعات المسلحة الفرصة التي طلبتها قبل الشروع بأية تسوية خاصة بعد جرعة الدعم الأخيرة التي تلقتها عبر رفع مستوى السلاح التي تستخدمه في المواجهات، وردفها بعدد كبير من المسلحين من شتى أطياف «التشدد» المنتشر في المنطقة والعالم.

وفي هذا السياق، كان لافتاً ما أعلنه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في آخر إطلالة له حول هذا الموضوع، والذي اعتبر فيه أن الأزمة في سورية طويلة، مؤكداً أن الرهان على تبدّل الموقف الميداني ليس سوى وهماً، وهو ما يندرج في إطار تأكيد حلفاء سورية الدوليين في هذا الإطار، فيما يستمر لبنان بالانزلاق نحو الأزمة حيث تصر جهات لبنانية على التدخل المباشر في سورية ناهيك عما ستشكله مشكلة النازحين الفلسطينيين من مخيم اليرموك باتجاه لبنان من تغيّر على المستوى الديموغرافي الذي طالما كان هذا البلد حذراً منه، إذ أن العودة إلى ذلك المخيم لن تكون بالأمر السهل حتى لو هدأت الأمور هناك، في وقت عبّرت فيه مصادر لبنانية عن خشيتها من أن يكون دخول الجماعات المسلحة إلى المخيم استدراج لضربه وإسقاطه بما يخدم مخطط فرز جديد في إطار مشروع قديم – جديد يكون الفلسطينيون وقوداً له مرة أخرى في سياق مشروع «الشرق الأوسط» الذي يسعى إلى تقسيم المنطقة على أسس جديدة.

يبقى التصعيد سيد الموقف، فيما أفق حل الأزمة التي تزداد تشعباً حتى الساعة مسدود، بانتظار الحسم الذي بات الجميع في مواجهته في غياب التسوية أو استعداد الأطراف لولوج حل سياسي لا تراه مصادر عسكرية سورية رفيعة قريباً، لكنها أكدت على أن الموقف على الأرض مختلف جداً عما تشيعه وسائل الإعلام حول تمكن المسلحين من السيطرة إلا على بعض أحياء، على سبيل المثال مخيم اليرموك الذي لجأ إليه هؤلاء بعدما تم القضاء على إمكانية تحركهم في أرياف دمشق، مشيرة إلى أن القرار يقضي بملاحقتهم في كل الأماكن التي يلجأون إليها مهما كانت حساسيتها السياسية.

 محمد شمس الدين- البناء