2026-03-14 07:40 م

رجلنا في القاهرة

2012-12-11
كيف تأتى لواشنطن أن تصبح صديقاً مقرّباً للأخوان المسلمين في مصر، حتى بعد أن أخذ الرئيس محمد مرسي يفرض سلطات دكتاتورية وصار أتباعه يضربون العلمانيين اللبراليين في شوارع القاهرة؟
 هذا سؤال يطرحه كثير من العرب هذه الأيام وهو يستحق جواباً. 
يستجمّ مرسي وأتباعه من جماعة الأخوان اليوم إذ تغمرهم شمس السلطة بشعاعها الدافئ بعد عقود من الزمن جرّعتهم غصص العزلة والإضطهاد.
 وقد كان بوسع الناظر أن يلمس بوضوح هذا الوضع الجديد الذي ألفوا أنفسهم فيه عندما زار مرسي الولايات المتحدة في شهر أيلول الماضي، وأكثر من ذلك خلال جولة التحرّكات الدبلوماسية التي أسفرت عن وقف إطلاق النار في غزّة في الشهر الماضي، تلك الجولة التي توسط فيها مرسي ووزيرة الخارجية هيلاري كلنتون. 
لقد انقلب حال قادة الأخوان من منبوذين مطاردين إلى نجوم ساطعة وبدا عليهم كم هم سعداء هانئون بهذا الإهتمام الذي انصبّ عليهم.
دعونا نقولها بأمانة: ان إدارة أوباما كانت هي الطرف الرئيس الذي مكّن مرسي من كلّ ما فعل، فالمسؤولون الأميركيون قد عملوا معه بشكل وثيق حول التنمية الإقتصادية والدبلوماسية في المنطقة.
 وعندما زار كبار مساعدي مرسي واشنطن مؤخراً كانوا يتبجحون بالعلاقات الوثيقة التي تربط بين رئيسهم والرئيس أوباما ويسهبون في الحديث عن المكالمات الهاتفية بين الزعيمين التي انتهت إلى وقف إطلاق النار في غزة. 
دور صانع السلام على غير توقّع هو الجانب الإيجابي الوحيد من "الرهان الكبير" الذي عقده أوباما على الأخوان المسلمين، وهو يوضح كيف أن الإدارة الأميركية قد تصرّفت بحكمة حين أبقت القنوات مفتوحة طيلة السنة المنصرمة في أعقاب المناورات والتسابق الذي شهدته مصر في أعقاب نجاح الثورة. 
إلا أن السلطة مفسدة ..
 وهذا القول يصدق على الأخوان المسلمين مثلما يصدق على غيرهم من الجماعات التي وجدت نفسها فجأة تجلس في مقعد الربّان بعد عقود من النبذ والعزلة. وربما كان اعتقاد مرسي بأنه يحظى بدعم أميركا هو الذي جعله يتمادى في 22 تشرين الثاني ويعلن أن قراراته الرئاسية لن تكون خاضعة للإشراف من قبل الجهات القضائية.
 يدعي أتباعه أنه إنما كان يحاول بهذا حماية ثورة مصر من القضاة الذين عيّنهم حسني مبارك، ولكن هذا التبرير المنطقي سرعان ما تداعى عندما استقال أعضاء من حكومة مرسي احتجاجاً ثم نزل ألوف المتظاهرين إلى الشوارع فقابلهم مؤيدو الأخوان المسلمين بهجوم مضاد منذر بالويل وأوخم العواقب استخدمت فيه الحجارة والهراوات والأنابيب المعدنية.وسط هذا الخضم الهائج بقيت إدارة أوباما ملتزمة بانضباط مثير للتساؤل لا تأتي بردة فعل.
 ولكن بعد إعلان إحكام القبضة على السلطة صرّحت المتحدّثة باسم وزارة الخارجية "فكتوريا نولان" قائلة: "إننا ندعو إلى الهدوء ونحثّ جميع الأطراف على العمل معاً، كما ندعو المصريين جميعاً إلى حلّ خلافاتهم حول هذه الشؤون الخطيرة سلمياً وعبر الحوار الدبلوماسي." وهذا لم يكن شجباً مدوّياً بمعنى الكلمة.
كتب إلي أحد المسؤولين العرب قائلاً: "أطلب منك أن تفسّر لي لماذا جاء رد فعل الولايات المتحدة على سلوك مرسي خافتاً إلى هذه الدرجة. ها هو أحد زعماء الأخوان المسلمين يصبح رئيساً لمصر، ثم إذا به ينقض بحركة خاطفة جريئة لينتزع صلاحيات رئاسية غاشمة لم نعرفها منذ عهود الفراعنة، صلاحيات تجعل مبارك يبدو مقارنة به مجرّد لاعب صغير يتدرّب في عالم الإستبداد والمتسلّطين. بعد ذلك كله لا تجد إدارة أوباما ردّاً ترد به عليه سوى تصريح نولاند."
 ثم يمضي المسؤول المذكور متسائلاً إن كانت الولايات المتحدة قد فقدت زخمها المعنوي وتوجّهاتها السياسية وهي في خضم حماسها للعثور على أصدقاء جدد.
ولكن جواب الإدارة الأميركية على أمثال هذه التســاؤلات هــو أن الأمر ليس متعلّقــاً بأميركا.
 فالمصريون والعرب الآخرون يسطّرون اليوم تاريخهم، وعليهم أن يتعلّموا كيف يتعايشون مع العواقب، أضف إلى هذا أن آخر ما يحتاج إليه المتظاهرون العلمانيون هو ضمّة حنان من جانب أميركا.
 في هذا القول شيء من الحقيقة بالتأكيد ولكن من المثير للجنون أن تبدو واشنطن وكأنها تنحاز ضد من يريدون مصر ليبرالية يسودها التسامح لصالح اولئك الذين يطالبون بحكم الشريعة. من حيث تقصد أو لا تقصد هذا هو الوضع الذي انتهت إليه الإدارة الأميركية.
عندما نجلس لكي نقيّم هذه الأحداث المتلاطمة التي يمرّ بها العالم العربي علينا أن نذكّر أنفسنا بأننا نشهد ثورة، وأن عقوداً قد تمرّ قبل أن تتمخّض الأحداث عن ثمرات ثابتة واضحة. وحيث أن من الصعب التنبؤ بما ستكون عليه تلك الثمرات فمن الخطأ أن نعقد رهانات كبيرة على أي لاعب منفرد بالتحديد.
 يجب أن يكون دور الولايات المتحدة هو دعم الحركات الأوسع التي تسعى إلى التغيير والتنمية الإقتصادية مع إبقاء الخطوط مفتوحة لأية حكومات ديمقراطية تبرز من وسط هذا كله.
سوف تساعد أميركا العالم العربي على تجاوز هذا الجو المتلبّد إذا ما أعلنتها صراحة بأن سياسة الولايات المتحدة تسير على هدى مصالحها وقيمها، لا هدى تحالفاتها وصداقاتها العابرة. 
وإذا ما أراد مرسي أن يعامل على أساس أنه زعيم ديمقراطي وجب عليه أن يتصرّف على هذا الأساس. 


* عن صحيفة واشنطن بوست