2026-03-19 11:51 م

كلمات بطعم الجليل وعطر الجولان

2015-01-19
كتب سمير الفزاع
ثلاث ساعات تقريباً، من الوقائع، الخفايا، الإستشراف، الأمن، الميدان، السياسة... والكل كان يبحث عن المزيد. لقد جعل السيد حسن نصر الله من نصف حربه مع كيان العدو الصهيوني حرباً نفسية، وخاض بالكلمات والعبارات التي يحرص على انتقائها خلال إطلالاته الإعلامية نصف هذه الحرب النفسية؛ بل إن السيد حسن نصر الله بشخصه وعمامته وعبائته وطلّته وكف يده وأصابع هذه اليد... بات أكبر وأخطر أسلحة حزب الله على الإطلاق. كثيرة هي الأسئلة التي أعقبت المقابلة، وهذا حال المحب والمبغض على حدّ سواء. ليس مطلوباً من القائد أن يجيب على كلّ الأسئلة، وأن يكشف عن كلّ مستور، حتماً سيبقي في جعبته، وخلف مساحة النور الكثير. سيوحي ببعض ما تشاء بإبتسامة، أو بفكرة مبتورة، أو بعبارة تبدو مماثلة لما سبقها... لكنّ الكلمة سلاح، وسلاح المقاوم دائماً مذخر، وذخيرته لن تُطلق في غير مكانها، فلا مكان للتطابق، ولكل كلمة في بنيان كلام قائد من وزن السيد حسن نصر الله رسالة لن يُخطئها المعني بها. في مقابلة العام على الميادين طرح السيد حسن نصر الله عناوين كثيرة ومتنوعة، يصعب إقتفاء أثرها في مقال واحد، لذلك ولأسباب منهجية وموضوعية، سأحاول مقاربة موضوعين فقط من هذه العناوين، الجليل وما بعده، وحلف المقاومة والإعتداءات على سورية: * الجوهر العسكري-الأمني للأيدولوجيا الصهيونية: استندت العقيدة الأمنية الصهيونية طوال عقود على ثلاثة عناصر كبرى: 1- الردع: أي توفير مقدار هائل من فرق القوة بين كيان العدو ودول الطوق مجتمعة، يمنعها حتى من مجرد التفكير بشن حرب عليه من جهة، ويبقي أعداء الكيان أسرى للخوف الدائم من هجمات هذا الكيان من جهة أخرى. 2- الإنذار الاستراتيجي: أي قدرة الكيان على حشد المزيد من القوة "الذاتية والممكنة"، ويلجأ اليه الكيان فور حدوث خلل في ميزان الردع، بإستدعاء الاحتياط بداية، والقوة الممكنة، مثل إستعانة الكيان بواشنطن في حرب 1973. 3- الحسم: أي القضاء على مصادر التهديد سريعاً وتماماً، كما حصل في حرب حزيران 1967. وهناك أعمدة يقوم عليها الهيكل العظمي لهذا الكيان المزعوم ككل، ومنها : 1- أن هذا الكيان هو الأرض الأكثر أمناً لبني يهود، فليأتي كل شتاتهم إليه . 2- أن جيش هذا الكيان هو الجيش الأقوى، ويده هي اليد الطولى، ولا غالب له . 3- أن أي حرب سيخوضها هذا الجيش لن تمس أبداً بحياة ورفاه المدنيين في الداخل . 4- لن يكون هناك حروباً تخاض على أراض هذا الكيان؛ بل ستكون على أراضي الآخرين . 5- أن جيش هذا الكيان قادر على شنّ الحروب متى شاء، ولا بديل لديه سوى النصر . 6- النصر مؤكد، وسيتم إحرازه بين طرفة عين وأخرى. فلا مكان للحروب الطويلة هنا . 7- منع تشكيل أي تحالف عربي-عربي من حيث المبدأ، وخوفاً من مهاجمته الكيان من عدة جبهات. * تحرير الجليل وتداعي الجوهر العسكري-الأمني للأيدولوجيا الصهيونية: عقب خيانة السادات بإنهاء حرب تشرين العظيمة من طرف واحد، وتقزيمه لنتائجها، وإنفراده بتوقيع إتفاقية صلح مع كيان العدو... شرع الراحل حافظ الأسد في تطبيق فكرة التوازن الإستراتيجي مع العدو الصهيوني. لقد تم إستخلاص عبر كبرى من حرب تشرين تأثر بها التفكير السياسي-العسكري السوري إلى حدّود هائلة، تمّت ترجمة معظمها في خطط التوازن الإستراتيجي، كالإكتفاء الإقتصادي والمالي، وتوفير معدات وذخائر وأسلحة معركة طويلة الأمد، والتوسع في بناء الوحدات القتالية الخاصة... وصولاً إلى مجابهة ذراع العدو الطويلة، سلاح الجو، بالذراع السورية الطويلة، الصواريخ بعيدة المدى، والإلتفات بصورة أكبر نحو خلق ورعاية حركات المقاومة الشعبية. قبل أيام تحدث الرجل الذي يُعتبر وبحق، قائداً لأكبر وأهم وأقوى حركة مقاومة في القرن الواحد والعشرين، السيد حسن نصر الله. ولم يكن غريباً أن تنشأ هذه الحركة المقاومة في خاصرة سورية الرخوة، لبنان، وعلى كتف فلسطين، ويكون موقعها في قلب التحالف الإستراتيجي الذي يربط بين دمشق وطهران. كان أحد أبرز العناون التي تحدث فيها "نصر الله"، الجليل وما بعد الجليل، على غرار حيفا وما بعد حيفا، ومدى العمق الذي بلغته حالة التشاركية والتكافل في هذا الحلف. تحدثت مصادر عن سيناريو تحرير المقاومة للجليل عقب أعلان السيد حسن عن هذه الإضافة النوعية لخطابه المقاوم قبل سنوات، حيث قالت: ستكون ساحة المعركة مناطق الجليل حتى بحيرة طبريا. وبحسب هذه الخطة فإن حزب الله حدد بعض الاهداف الرئيسية في منطقة الشمال والتي سوف يستهدفها بشكل مباشر من ضمنها "ميناء حيفا، ومعسكر هزانا في جبل الشيخ، ومعسكرات سلاح الجو الصهيوني في مناطق الجليل..."، وقد قسّم حزب الله مناطق الشمال ووضع المدن التي يقطنها المواطنون العرب في جهة، والمستوطنات اليهودية في جهة أخرى. وسيقوم حزب الله بالسيطرة على مناطق الشمال من خلال هجوم تشنه قوات عسكرية من أربعة محاور، الاولى تقوم بالسيطرة على مناطق الساحل وصولا الى مدينة حيفا، والثانية تقوم بالسيطرة على الجليل الشرقي وصولا الى بحيرة طبريا، والثالثة تقوم بالدخول من المنتصف وصولا الى الجليل السفلي والتي تنقسم الى قوتين. * القطبة المخفية في سيناريو الجليل: هناك شبه كبير جداً بين تضاريس المناطق اللبنانية المحاذية لفلسطين ومناطق الجليل، ما يسهل مهمة حزب الله وقواته في المعركة القادمة مع العدو في حال تقرر تحرير الجليل. لكن عدة معوقات كبرى تظهر في حال الشروع في هذا السيناريو، وبعد النجاح في تطبيقه، منها: 1- تدمير تحصينات العدو، والقضاء على تجمعاته العسكرية والإستيطانية. 2- القضاء على مرابض مدفعية العدو ومنصات صواريخ أرض-أرض. 3- توفير منظومة دفاع جوي فعالة تحمي القوات المتقدمة، وهذا يتطلب منظومات دفاع جوي بعيدة المدى وراداراتها. 4- توفر شبكة دفاع بحري بصواريخ فعالة وبعيدة المدى، تمنع إنزال قوات معادية خلف القوات المتقدمة. 5- الدعم اللوجستي، كالقدرة الدائمة على تعويض الخسائر، سواء في الأفراد والمعدات والذخائر... . 6- حماية مؤخرة المقاومة في لبنان ضد أي قوة معادية، سواء جاءت من البحر أو من الجولان. 7- توفير شبكة إتصال فعالة في ظروف التشويش الإلكتروني المعقد. عندما ننظر إلى الخريطة نكتشف سريعاً، أن سيناريو الجليل لا يمكن أن يُباشر به وينجح إلا إذا كانت سورية شريكة به، وذلك لعدة أسباب، منها: 1- لا يمكن الإنطلاق لتحرير الجليل دون أن يرافقه أو يسبقه تحرير هضبة الجولان. إن التقدم نحو الجليل، وترك قوات العدو مرتاحة في الجولان، سيوقع حتماً، كل القوة المتقدمة بين فكي كماشة، أو جزء كبير منها على أقل تقدير. 2- عند إندفاع قوات حزب الله نحو الجليل مع إهمال قوات العدو في الجولان، سيحدث خلل كبير في موازين القوى على الحدود اللبنانية إذا ما تحركت هذه القوات نحو جنوب لبنان. 3- أن خطوط إمداد ودعم القوات المندفعة إلى الجليل، ستكون تحت رحمة جنود العدو في الجولان. 4- مثل هذا التقدم الكبير يحتاج إلى شبكة دفاع جوي فتاكة تعمل على مختلف الإرتفاعات، ورادارات قوية، ولا يوجد في لبنان غير رادار مطارها الدولي، صحيح أن هناك معلومات عن إمتلاك حزب الله منظومات متطورة من طراز تانغوسكا وتور ام -1 الحديثة والفتاكة، ولكنها منظومات مخصصة للتعامل مع اهداف تحلق على إرتفاعات منخفضة لا تتجاوز 4كم، بالرغم من ميزات حركتها السريعة، وإعتمادها على ردارات ومنظومات توجيه ذاتي ملحقة بها. * هل هي سقطة لسان، أم القطبة المخفية في سيناريو الجليل؟: جاء كلام السيد حسن نصر الله عن تحرير الجليل بعد كلامه عن الإعتداءات الصهيونية على سورية، وموقف حلف المقاومة من هذه الغارات، لنتذكر، يقول السيد حسن: على كل حال اعتقد في بعض المجالات هو عنده معلومات وغير الي ينحكى من قبل مسؤولي أو قيادات حزب الله بالإعلام... خارج الحدود اللبنانية، خارج الوضع اللبناني هناك خروقات اسرائيلية خطيرة جداً، القصف المتكرر الذي على حصل أهداف متنوعة في سورية هذا خرق كبير، ونحن نعتبر أن ضرب أي أهداف في سورية هو استهداف لكل محور المقاومة، يعني هذا ليس استهدافاً فقط لسورية؛ وإنما هو إستهداف لكل محور المقاومة. • غسان بن جدو: عندما تعتبر أن إستهداف الاسرائيلي في سورية استهداف لكل محور المقاومة، هل هذا يعني أن محور المقاومة ايضا إذا قرر ان يرد؟ السيد مقاطعا: قد يرد ، نعم، قد ياخذ قراراً من هذا النوع، يعني هذا الامر مفتوح... ما حدى عنده التزام انه الاعتداءات على سورية قد تبقى دون رد، لم يقدم احد التزام من هذا النوع، وهذا حق محور المقاومة وليس حق سوريا فقط، لكن متى يمارس هذا الحق هذا خاضع للمعايير التي تؤخذ بعين الاعتبار في اتخاذ القرار. غسان: لكن هذا مهم في النهاية، فيه عندكم اذاً قرار كمحور، انه اذا ضربت سورية فيمكن لهذا المحور ان يرد، وان على اسرائيل ان تعلم جيدا... السيد مقاطعا: هذا امر مفتوح وقد يحصل في اي وقت، وقد حصل في اي وقت. والإشارة الأكثر إبهاماً، ووضوحاً على هذا لإفتراض، جاءت في معرض الردّ على السؤال التالي لغسان بن جدو: نحن عادة لا نحب الاسئلة الافتراضية، ولكننا نتحدث باستشراف عن عام 2015، بحسب المعطيات الحالية بين ايديكم كيف سيتجه الصراع بينكم وبين "اسرائيل" في عام 2015؟ • السيد حسن نصر الله:... الاسرائيليين شوه بيقولوا بموضوع الحرب على لبنان ؟ نحن سنذهب إلى الحرب إذا كان الحرب بتعطينا نصر حاسم واضح لا لبس فيه، وسريع... هل اسرائيل بوضعها الحالي، بوضعها هي بما هي هي، بمعزل عن إمكاناتنا وقدراتنا، وأيضاً وبالنظر إلى وضع المقاومة في لبنان، إذا دخلت إلى حرب مع لبنان أو على لبنان هل هي قادرة أن تحقق نصراً سريعاً حاسماً جازماً واضحا ؟ أنا أقول لا، قطعاً لا. وأنا أقصد بالإشارة الأكثر إبهاماً ووضوحاً جملة "إذا دخلت إلى حرب مع لبنان أو على لبنان". ففي الحالة الأولى، يكون لبنان مبادر إلى الحرب، وفي الثانية متعرضاً لعدوان، وهذا ما يفسر حديث السيد في ذات المقابلة، عن حرب على عدة جبهات قد يتعرض لها كيان العدو. من هذا الربط، يظهر بأن "ما بعد الجليل" هو الجولان، أو أن الجولان المحرر سيكون المعبر الإجباري له، لأن الكلمة سلاح، وسلاح المقاوم دائماً مذخر، وذخيرته لن تُطلق في غير مكانها، فلا مكان للتطابق، ولكل كلمة في بنيان كلام قائد من وزن السيد حسن نصر الله رسالة لن يُخطئها المعني بها. هل تكون حادثة القنيطرة شرارة الإنفجار؟!.